هيا بنا نبكى

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم انسانيات

 


هيا بنا نبكى يوسف ذو الأربعة عشر عاما الذى راح فجأة بدون ذنب جناه وبغير رجعة

هيا بنا نبكى مرقد رصاصة طائشة ذهبت بأرواح بريئة وهى مازالت تنعم بطفولتها

هيا بنا نبكى آمان لم يتحقق وأمن لم يُدرك وحداد واجب لم يُفرض

هيا بنا نبكى حياة راحت بدون ذنب سوى اللهو مع اقرانها

هيا بنا نبكى استمرار حياة اوساخ ابناء اوساخ وتنعمهم دوما بالصحة والعافية

هيا بنا نبكى الموت المفاجىء والظلم المتوقع والأمل الضائع والحلم الذى لا يتحقق

هيا بنا نبكى ظلم صار من سمات حياتنا وعدالة استكانت لغيابها وحق طال ندائنا له ولكنه نفض غبار حذائه عند ابواب مدينتنا وفر هاربا خائفا منها

هيا بنا نبكى انحسار الرحمة امام طغيان القسوة، انكسار الرجاء امام صمود الحسرة، تبلد العدل امام تسلط الظـَلـَمه

هيا بنا نبكى قلوب اطفال صغار لبثوا بجوار فراش مرض صديقهم، ولم يفارقوه لحطة واحدة ولا طرفة عين ... داعين بقلوبهم الأولى بأبواب السماء ان يشفى حبيبهم شفاء لا يغادر سقما

هيا بنا نبكى غضب مستعر بداخلنا لم يجد طريقا للصعود منهمرا سوى من خلال مقلاة اعيننا

هيا بنا نبكى حسرة قلب ام كانت تجد فى يوسف ملاذ البراءة ومحفز الحنان والأمومة واذ به يغيب عنها بضربة قدر سلطوية غاشمة

هيا بنا نبكى لوعة وانكسار أب ذاق غياب السند وهو يظن انه قد وفر له الأمان والمدد

هيا بنا نبكى اماكن عديدة كانت منبع اللعب والصداقة والاخاء ولكنها صارت فى وحشة وظلمة المقبرة

هيا بنا نبكى قلوب انقبضت واجساد انحنت وحناجر تحشرجت من هول غياب الولد

هيا بنا نبكى عدم وجود كلمات كافية للتعبير حقا عما بداخلنا، ووأد كلمة "ليه" انسياقا وراء الاعراف والتقاليد البالية

هيا بنا نبكى ازدحام الحياة بشخوص لا يعنون لنا أى شىء وغياب من كانوا لنا كل شىء

هيا بنا نبكى سقوط الضحايا الابرياء حتى صاروا ارقاماً فى احصائيات لا نجنى من وراء تكرار ذكرها سوى تبلد المشاعر وتحجر الدموع وهز الكتاف معترفين بفشلنا فى رفع مقت وغضب القدر عنا

هيا بنا نبكى عنق زجاجة ضيق مظلم، نعيش آملين عبوره غير مدركين مدى طوله

هيا بنا نبكى انهمار العبارات المعزية بعد انكسار الدعوات المتشفعة مرة تلو الأخرى تلو الأخرى وهلم جرة.

هيا بنا نبكى الصبر الذى نطالب بالتحلى به والذى اصبح اسلوب حياة وليس وسيلة لعبور الأزمة الى رحابة الأمانى الحالمة

هيا بنا نبكى ساعات جمود طويلة ستتوقف خلالها الحياة بنا، ثم ستستمر بعدها غير عابئة بالجرح الغائر الذى تركته بداخلنا

هيا بنا نبكى لحظات اختفاء احباب ظننا انهم سيظلون دوما بجانبنا، وحين سألنا عن السبب فوجئنا بأن الأسئلة محرمة والأسباب لم نسع يوما اليها بل فرضت دوما علينا

هيا بنا نبكى ذكريات سيتوقف نموها، بعد ان فقدت منبعها ومنشأها، وستصير مثل البوم صور محدود يعرض نفسه مكررا لقطات واحدة لعدم استطاعته افتيان بمثلها

هيا بنا نبكى ابرياء عديدين تحولوا الى مجرد صور بفضل قنبلة او طلقة طائشة او زنزانة موحشة او مرض لم نجد العلاج له فى الوقت المناسب، لاسباب لم تكن بأيدينا ولم تكن ابدا من اختيارنا

هيا بنا نبكى رغبة عارمة فى الصراخ باعلى ما فى حناجرنا من قوة، ولكن يتم وأدها دوماً لاعتبارات متحجرة وفاسدة

هيا بنا نبكى الهواء والماء والطعام الفاسد، الذين ينتظرون من يفلت من براثن الارهاب والفساد والظلم والقهر حتى ينقضون عليه انقضاضات موجعة ومؤلمة

هيا بنا نبكى براءة ارواح يوسف وامثاله، زينة الحياة الدنيا، والذين لم تقدرهم الحياة وقررت فى لحظة طيش ان تتنازل عنها

هيا بنا نبكى ضعف قدرتنا على تفهم ما لا نستطيع فهمه وعلى رغبتنا فى التعايش معه متسلحين بالنسيان وهو آفة ولكننا جعلناها نعمة

هيا بنا نبكى قسوة الصدمة، التى لا نعرف كم مرة سنمتلك القدرة على تحملها

هيا بنا نبكى ... فالدموع المنهمرة قد تكون الطوفان اللازم لازاحة شوائب تلك الدنيا عن قلوبنا وتنقية نفوسنا منها .. ولو للحظات قليلة ... لا تنسينا ما حدث، ولكنها تجعلنا نغيب بعض الوقت عن وعينا بقسوتها.

فادى رمزى