#غادة_بدر تكتب: هدية هالة

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم انسانيات

 

 

كان الاسبوع الماضي الأسبوع الأجمل في حياتي ... مكالمات كثيرة تلقيتها من اصدقاء لي كانت أكبر دعم تلقيته في حياتي ... تعليقات كثيرة كانت مليئة بالحب والتعاطف ... كلمات حانية لمست قلبي وفؤادي من الداخل، فشعرت انني لن أكون وحدي يوما ... فأنتم معي دائما تمنحوني الرعاية والنصح والحب وكأنكم قد اصبحتم من دمي.

تلقيت إتصالات من الوطن ومن الكويت ومن خارج الوطن .. واستلمت ايضا رسالات وواتسابات من الوطن ومن الكويت ومن خارج الوطن.

اعادتني احدى الرسائل عشرين سنة للوراء ... فقد ارسلتها لي صديقة قديمة لى ... كانت رسالة عبر الفيس فصديقتي لا تملك رقم هاتفي ... رسالة تحوي كلمات بسيطة أحبها قلبي وفرحت بها عيناي كثيرا .. محتوى الرسالة كان:

غادة انتي فاكراني انا هالة حسني ... انا سعيدة اني شفتك على الفيس وعايزة اشوفك اما ترجعي مصر ... انا معجبة بقوة ايمانك وبحب اقرا كل موضوع بتكتبيه ... انا متابعاكى دايما فربنا يوفقك للخير ويزيدك قوة ورضا ... وعايزة اقولك حاجة كمان، انا معجبة بأهتمامك بنفسك وكأنك عارضة أزياء (اه والله قالتلي كدة يجبر بخاطرك يا هالة) ثم أكملت اه نسيت انا كمان معجبة بجمال شخصيتك.

المهم طبعا اول ما قريت المسج ابتسمت ابتسامة كبيرة ورجعت لماضى مضى عليه اكتر من عشرين سنة ... رجعت وفتحت صندوق الذكريات فقد كنت وقتها عروساً صغيرة لم تكمل عامها الاول في الكويت.

أعرج على السنترال المجاور لمنزلنا لأجري المكالمة الهاتفية الأسبوعية لأمي بعد السلام والاشواق تدخل زوزو في صلب الموضوع ...

غادة حبيتي عارفة هالة بنت عمو حسني ... بنت عمة ابن خالتك ... انا ارد بملل: مالها يا ماما ... ماما: هالة اتجوزت ... انا بمنتهى الملل: طيب مبروك ... ماما: مبروك بس يا بنت دي كانت زميلتك في المدرسة ... انا: ايوة يا ماما بس احنا مكناش اصحاب قوي يعني ... يدوبك كدة ابتسامات لزجة ... (لاحظوا ان وقتها كانت المكالمات بفلوس لا في انترنت ولا يحزنون)

فجاءة هبيت في ماما وقلتلها: ما هو مش معقول أكون متصلة بيكي دولي وتقعدي تحكيلي ان هالة اتجوزت وفلانة خلفت ... قصري يا ماما الدقيقة التالتة خلصت ..

ماما تفتكر ان المكالمة بفلوس فتدخل في صلب الموضوع: اصل هالة جوزها بيشتغل في الكويت وهتوصل بعد يومين عندك ... انا كنت في هذا الوقت افتقد الوطن بشدة واشتاق لكل ذرة فيه ... فجاءة انسى ان الدقيقة الخامسة قد مرت واصيح: بجد يا ماما ... قولي كده ... اخيرا هيكون ليا اصحاب وقرايب هنا ... عزوة كدة ... الله. طيب يا زوزو اديني رقمها وانا هقوم بالواجب وزيادة ... ده انا بتنشق على حاجة من ريحة الوطن.

مافيش يومين وهالة تصل بالفعل الي الكويت ... تحدثت الي هالة من تليفون مكتبي في العمل على التليفون المتاح لها (تليفون الجيران) ... المهم اتفقت معاها اننا هنيحي نزورها انا ومحمد جوزى نبارك لها على الجواز ونتعرف بعريسها.

يوم الاربعاء بعد أنتهاء العمل نزلت أنا ومحمد لأختيار هدية العروس ... كلمة من هنا كلمة من هناك اتخانقنا، كل واحد فينا عايز يمشي رأيه ... انا: هالة قريبتي وانا اللي اختار هديتها ... محمد: انتي منوفية معفنة وانا لازم اقدم هدية بقيمتي ... اقوم انا ما اسكتش: مش هنلاقي نكمل باقي الشهر يا محمد بية مظهر ... بلاش شغل الشرقاوية ده اللي هيودينا ورا الشمس ... المهم في النهاية خلص الموضوع بخناقة.

انا افتكرت ان محمد تاني يوم هيصالحني. وهنروح نزور هالة عادي ... موعد الزيارة كان في تمام الساعة السابعة... بعد عودتي من العمل فضلت رايحة جاية احوم حوالين محمد ... دقت ساعة المنزل السادسة ثم السابعة ثم الثامنة ثم التاسعة ... وانا احوم في انتظار ان يقولي ألبسي يا بت يا غادة ولكن لا حياة لمن تنادي ... وبعد تمام العاشرة فهمت انه بخ فدخلت اتخمدت.

تاني يوم محمد ذهب لصلاة الجمعة وبعد عودته الي المنزل معرفش ايه اللي حصل ... ربنا هاداه سمع خطبة عن حسن معاملة ناقصي العقل تقريبا المهم اتصالحنا وأداني الهدية اللي أنا أخترتها ... في هذه الفترة الزمنية كما شرحت لكم لم تكن هناك موبايلات وكانت التليفونات المنزلية عملة نادرة فقررنا الذهاب لهم دون موعد سابق معتمدين على عنصر المفاجئة ... واحنا بنقول في سرنا يعني هيروحوا فين .. ده الكويت كلها شارع وحارة.

المهم وصلت انا ومحمد ماسكين ايد بعض وماسكين في ايدينا الهدية ... بدأ محمد في قرع باب منزلهم ثم بدأت انا كمان في مساعدته ولكن كان من الواضح ان لا أحد بالمنزل. قررنا انا وزوجي العزيز ان نمر على الجيران الذين يقطنون في الدور الأسفل لهم ... الجيران الذين يملكون التليفون ... لنترك خبراً معهم اننا قد مررنا على جيرانهم في الدور الأعلى.

بدأت في قرع الباب وفجاءة ظهرت لي هالة من وراء الباب وهي متشحة بالسواد وتبكي ثم تفاجئني بأرتمائها في احضاني ... من بين دموعها اسمعها تقول احمد مات ياغادة. .. اكاد لا اصدق ما اسمعه ثم اشعر بدوار خفيف ... فتعيد هالة على مسامعي ان احمد زوجها العريس قد مات !!!

تقع الهدية من يدي ويسارع محمد بالنزول للشارع للوقوف مع رجال البناية وادخل وانا مذهولة وهالة تستند الي كتفي الي غرفة بالداخل.

تقص لي هالة بين دموعها انه بعد انتظارهم لنا حتى الساعة التاسعة تأكد لهم انه قد حدث لنا طارئ فقرروا الخروج من المنزل والتنزة سويا، وبالأخص انها ليلة خميس تليها العطلة الاسبوعية ... ذهبت العروس وعريسها فأوقفا سيارتهم في مواقف سيارات مركز سلطان على شارع الخليج وشبكا أيديهما معا وقرروا عبور شارع الخليج ليستنشقا عبير الخليج العربي ..
جلسا سويا والتهما معا اجمل ساندوتشات تذوقتها هالة في حياتها وعند اقتراب منتصف الليل قررا عبور الشارع مرة اخرى والعودة الي سيارتهما ... كانت يد أحمد ممسكة بيد هالة ولكنه سبقها بخطوات بسيطة وما هي الا لحظات فارقة افلتت هالة يديها من يد احمد فسمعت صوت صراخه ثم صوت اصطدام السيارة المسرعة به ... وهنا غابت هالة عن الوعي فدماء احمد التي كانت تملأ المكان أصابتها بهلع وصدمة مفاجأة ... افاقت هالة وحولها الجمع ينعونها زوجها.

عندما انتهت هالة من قصتها ... وكأي مصرية اصيلة... بدأت في التلفت حولي فرأيت منزل الجيران متشح بالسواد وفي حالة حداد واضحة ... بيني وبين نفسي فكرت ... هذه هي عظمة الشعب المصري فى السراء والضراء، فتفاجئني هالة ان الجيران هم اخو زوجها المرحوم وزوجته ..

يتولى اخو المرحوم اجراءات تسفير هالة مع جثمان المرحوم اخوه ... تسافر هالة تاركة كل شئ لها حتى شبكتها، فلا تقو هالة على دخول منزلها مرة اخرى دون احمد. تترك كل شي على ان يتولى اخو زوجها ارسال كل اغراضها بعد حين.

عند هذا الفصل انتهت قصتي مع هالة ... تنقطع اخبار هالة عني بعد ذلك ... من الحين للحين استقصى اخبارها من امي فترد لا لسة مجاش نصيبها ... فأتحسر أنا على زهرة شباب هالة.

بعد ان عدت من رحلة الماضي الحزين اعود فأتذكر رسالة هالة فأسارع بالرد عليها ... طبعا فكراكي يا جميل ... ده انتي كنتي لي يوما املا ... حلمت معه أن استعيض كل نفحات الوطن.

اليوم تهاتفني هالة بعد ان أرسلت لها رسالتي ...

وبعد ان تستلم رسالتي تفاجئنى بمكالمة طويلة نتحدث معا وكأننا تركنا بعضنا بالأمس القريب ... صوتها المحبوب يلمس وجداني ... فتكمل لي باقي فصول قصتها.

تفاجأت هالة بعد وصولها الوطن ان اهل المرحوم يبلغوها ان لا حقوق لها عندهم ... فكما ابلغتها امه انها كانت شؤماً عليهم وانها قد خطفت روح ابنهم ... تحاول هالة واهلها استرداد عفشها .. دهبها .. جهازها .. ولكن كل المحاولات تبوء بالفشل ... فأسرة المرحوم قد ناصبتها العداء منذ اليوم الاول لوصولها مع جثمان المرحوم .. واشعروها انها ليست منهم ولا كانت يوما زوجة ابنهم. .. بل وصلوا الي ابعد من ذلك فقد اتهموها بأنها سبب وفاته.

وبالرغم من ذلك ظلت هالة سنوات وسنوات تعيش في ظلال المرحوم وعلى ذكرى ايام معدودات عاشتها مع أحمد ... وسنوات اخرى تتندم على حظها وبختها الذي مال ... وسنوات وسنوات اخرى ضاعت ايضا في حرب مع عائلة المرحوم التي رفضت اعطائها ارثها منه، واشاعوا بين المعارف انها نذير شؤم.

وفي وسط كل هذه المشاحنات تقرر هالة ان تستكمل دراستها العليا فقد استيقظ الحلم داخلها مرة اخرى ... فذاكرت هالة واجتهدت واصبحت معيدة ومن ثم دكتورة بالجامعة وأن شاء الله تصل إلي منصب العميد عن قريب، وهكذا وصلت الي اعلى المراكز العلمية.

كل ذلك وهي لا زالت تعيش وتشعر ان الحياة قد ظلمتها بزواج لمدة اسبوع واحد فقط.

ولكن منذ سنوات مضت قررت هالة التصالح مع نفسها ... عن طريق وقفة مع النفس فوجدت ان الله بالفعل اختار لها الأفضل والإصلح ... تفكر هالة بعمق ... فمن الجائز لو كانت استمرت حياتها الزوحية لعانت الامرين مع أم زوجها المتسلطة وعائلته المستغلة التي لا تراعي حقوق ربها. ولم يكن احتمال بعيد ان تطلقت منه بعد فترة وجيزة، وقطعا كانت ستتخلى عن طموحها العلمي فلن يكون بإمكانها أن تستكمل دراستها العليا وهي على اراضي الكويت أو ان ترعي اباها المريض بعد وفاة امها وهي أيضآ في الكويت.

ومن المؤكد ان دورها كأم حانية لأخوتها بعد وفاة والدتها لم يكن ليظهر على حيز الوجود وهي بجوار زوجها بالكويت، ولم يكن منزل اباها ليظل مفتوحا بحسها حتى الأن.

ان هالة تأخر زواجها للمرة الثانية لحكم كثيرة عند الله سبحانه وتعالى .. لتستكمل طموحها العلمي وليكون لها كيان علمي ودرجة علمية مميزة، ولتؤدي واجبها نحو ابيها ولتكون هي الحضن الدافيء الذي يحتوي كل اخوتها بحكم انهم اختهم الوحيدة.

من الجائز ان الزواج قد يكون تأخر كثيرا ....فقد تزوجت هالة فقط منذ اقل من عام واحد ولكن الذي لا جدال فيه ان النصيب قد آتى وآتى في الوقت المناسب وبالشكل الذي يناسبها ليكافئها الله على صبرها وابتلائها في مقتبل العمر.

هالة انتظرت لكي تتزوج من يكافئها علما ومركزا ... لم تقبل فضلات المجتمع حتى تحصل على لقب زوجة مرة اخرى والسلام ... هالة انتظرت وكانت عند حسن ظن ربها ... فتلقت مكافئات خريف العمر.

اصدقائي ... ان كل يوم يمر علي يتأكد لي ان الله لا يختار لنا سوى الأفضل والانسب دائما، فكم نحن قساة غلاظ القلوب وكم نحن متبطرين على النعم الكثيرة التى أنعم الله بها علينا.

غادة بدر