#غادة_بدر تكتب: الوحش الصامت

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم انسانيات

 

جاءتني والدموع تسبقها ... لم أجد لدي سوى احتضانها فأنا اعلم الناس بحالها كعلمي كم هي الدموع لديها غالية ... بعد ان هدأت بدأ الصمت يحوم حولنا ... شجعتها على البدء بالكلام والبوح بمكنون قلبها ... فقالت:

"صادفتها امام المصعد ...كنت اقف امام مصعد المول في انتظار المصعد ان يأتي ...على الرغم من كرهي الأنتظار بكل أنواعه وكرهي هذا المصعد بالتحديد لبطئه الشديد .. ولكن مرغم اخاك لا بطل ... كما تعلمين إبني يرفض استخدام السلالم المتحركة فهو يشعر انه صاعد الي مجهول لا يدري عنه شيئآ ..

وانا اقف في انتظار المصعد شاهدت خيال انثى في زجاج المصعد... التفت خلفي... فوجدتها مثلي تنتظر المصعد ... انا في يدي ادهم أبني وهي في يدها عربة بها طفل توحدي أيضأ ولكن في سن السادسة ... عرفته منذ اللحظة الاولى فقد كان صورة طبق الأصل من ادهم في نفس مرحلتة العمرية ... هايبر اكتيفيتي .. زائغ البصر وكأنه متردد الدخول في العالم الذي حوله... مشاكس ... يصدر همهمات عالية غير مفهومة..

كانت صديقتنا تضع ابنها في عربة اطفال كبيرة بعض الشئ لتحكم السيطرة عليه، وكنت انا اكلبش بيدي الاثتين في يد أدهم لأحكام السيطرة عليه .. فلا توجد عربة اطفال (بيج سايز) قياسه الان.

اراقبها فأجدها تتحدث في التليفون في الغالب كان زوجها او امها ... فقد كانت النبرة حانقة غاضبة بها الكثير من اللوم لتركها وحدها في المول ... فمن اذا ستشكو همها غير زوجها او أمها ... ثم تسارع بأغلاق الهاتف ... حاولت الأبتسام لعلني اخفف عنها، فحالها من حالي ... فأستطيع رسم الابتسامة بين شفتيها ولكن عبوسها في وجهي وإدارة وجهها عني جعلني اتراجع في اخر لحظة.

كنت اقف في انتظار المصعد قبلها ... فقد سبقتها بلحظات قليلة ولكنها كانت بالنسبة لي لحظات ولحظات كثيرة ... زذلك لكثرة محاولة إدهم افلات يده من يدي والهروب والجري لسرقة طعام من احدى موائد مطاعم الموول ... واخيرا جاء المصعد فتنفست الصعداء ولكني وجدت من يخبطني كتف ويسبقني في الدخول ... كانت هي وعربتها. كان المصعد صغير الاتساع ... فشغلت عربتها نصف المصعد تقريبا.

نظرت حولي فوجدت ان المكان المتبقي لا يمكن ان يسعني انا وادهم ... فأدهم ربنا يحميه ويبارك فيه ذو بنية ضخمة، فهو يضع كل همه في الاكل كحال أي طفل توحدي.

نظرت لها لعلني اجدها لديها حل فوجدتها تهرب بنظراتها في الاتجاه الاخر وتضغط على زر اغلاق المصعد ... فقررت الانتظار مرة اخرى واحتمال صراخ أدهم الذي لم يفهم لماذا تنازلت عن حقنا ... أخترت الإنتظار ولكن ليس بنفس راضيه، فقد كنت بالفعل حانقة عليها لسلبها حقي دون استئذان أو أعتذار حتى.
عدت الي منزلي وأنا ادعي المثالية، فأنا اقف على نفس المسافة مثلها ولكني صابرة واتفهم ظروف من حولي واقاسمهم المرار.

يمر يوم ويوم اخر وتمتحني الأيام ... وفجاءة تنتكس حالة أدهم دون اسباب معينه ... لا أعترض على مشيئة الله فهذا وضع قد أعتاده من قبل كل أهالي أطفال التوحد .. فلمدة ثلاثة ايام كاملة يخاصمنا النوم ... فأدهم يتألم ويبكي وصراخه يضوي في كل ركن من اركان المنزل ويحطم كل ما يجده في طريقه ... حتى لو كان انا.

يقرع باب المنزل جيران البناية يتسألون عما به ادهم ولا نستطيع ان نجيبهم، فنحن ايضا لا نعلم سبباً لصراخه أو هياجه، وعاجزين تماما عن مداوة الامه التي لا نعرف لها سبب، ولسنا قادررين ايضا على كبح زمام غضبه او صراخه فهي المنفس الوحيد لألامه.

نظل طيلة الليل ساهرين بجانب ادهم نرقيه ... نسمعه ايات الذكر الحكيم من خلال سماعات هاتف موبايله. ثاني يوم اذهب للعمل مرغمة، فلدي اجتماعات هامة كما تعرفين ولا يمكني تأجيلها ... ولكن لا اكمل يوم العمل.

تحدثني خادمتي وتقول ان أدهم ثائر جدا ويبكي منذ ان غادرت المنزل ... اترك كل ما في يدي واسارع بالعودة. .. اخذه من يده واذهب الي اقرب مشفى واجدني ازاحم اخرى واقتنص منها مكانا في الباركنج ... بالتأكيد كانت تنتظر قبلي لتصف فيه سيارتها.

اصف سيارتى مكانها وانا من جاءت بعدها، غير عابئة بطفل يجلس بجانبها بالسيارة يبكي ... ممكن ان تكون حرارته عاليه او مصاب بحمى او حالته اخطر من حالة ابني، ولكن كان كل ما همني وقتها ان اصل للطبيب بأسرع ما يمكن.

يقف الطبيب عاجزاً امام حالة ادهم ... فأدهم غير قادر على الافصاح عما يؤلمه، فهو للأسف لا يتكلم ولا يعبر ولا الكشف الظاهري يوضح شيء. اقف حائرة اتوسل لأدهم، وعيناي مغرقتان بالدموع، كى يعطي الدكتور يديه ليأخذ منه عينة دم لأجراء تحليل عليها. تجمع على أدهم ثلاثة من الممرضين ولكنهم ايضا فشلوا في التمكن منه ... وفي النهاية لا اجد امامي سوى ان اسحب أدهم والدموع تترقرق بين عيناي.

اعود الي المنزل وقد اظلمت الدنيا حولي ... ثم اتذكر صديقة المصعد الحانقة واعطيها كل الأعذار التي سلبتها اياها يوما بأدعائي المثالية المزعومة ... شريط حياتي يمر امامي فأتذكر ذكرياتي الحزينة مع أدهم ... اتذكره وهو يتحرك في المنزل ليل نهار دون ان يهدأ لحظة ..

اتذكر صراخه وهو يمشي على اطراف صوابعه ناظرا الي المجهول ... أتذكر الإحراج الذي أصابني مرات وأنا أراه وهو خارج من الحمام عاريا امام اصدقائنا ... اتذكر كم مرة حاولت دفع وجبة صغير في مطعم كنتاكي اخذها منه ادهم عنوة. اتذكر نفسي وانا جالسة على ركبتي في محاولة يائسة لتنظيف سجادة صديقة امي التي كنا نزورها لأول مره بعد تعمده كب كوب العصير.
اتذكر هروب أدهم من منزل جده صباح العيد، وبحث جده عنه في كل مكان حتى وجده اخيرا يلعب في أرجوحة مدرسته ... اتذكر جدته وهي تجري خلفه مهرولة فتقع في الحديقه اكثر من مرة وهي تحاول ان تمسكه بعد ان افلت يده منها ... اتذكر محاولات اباه المستميتة معه ليقف ساكنا بين يدي الحلاق حتى لا يصاب بأذى ... اتذكر يوم لعبه بقصاصات الاوراق واقترابه من البوتجاز المشتعل فأشتعلت يده فأحترقت حروقا من الدرجة الثالثة ..

اتذكر المرات العديدة التي لا تحصى التي فيها خرج من سيارتي بسرعة البرق وجرى وجربت انا ورائه لاهثة في محاوله يائسة للإمساك به ... وتذكرت ايضا المرات التي استعنت فيها بالجيران لمحاولة ادخاله المنزل ... تذكرت معاناة اباه معه والسير به مسافات طويله في الليل حتى يهدأ ويغفو ... وتذكرت تمزيقه لملابس والده وهو يحاول تصدي الهجمات عني، الناتجة عن حالات الهياج المفاجئة التي تنتنابه من حين لأخر.

تذكرت خروج اباه بعد منتصف الليل ايام وايام للبحث عن صيدلية طوارئ لإحضار علبه دواء ... تذكرت احكامي إغلاق كل خزانات المنزل وتخبئة جميع الادوية خوفا من ان يتناولها دفعة واحدة ... تذكرت ليالي وليالي اذهب انا واباه الي اعمالنا دون ان يغمض لنا جفن."

بعدها تنهار صديقتي مرة أخرى وتقول: "مش كفاية كدة ولا تحبي أكمل؟" ..

احتضنها مرة اخرى ... فتستجمع قواها مني وتمسح دموعها ثم تستكمل.

"احقاقا للحق لست اعيش في الجحيم كما تعلمين، فلن أنكر أنه بجانب تلكط الذكريات الأليمة كانت هناك ايضاً الكثير من الذكريات الجميلة، فلست بجاحدة ابدا ... بل اني اشعر انني في نعيم على الرغم من مروري بلحظات ضعف بشري كثيرة ... ولكن تبقى حقيقة مؤكدة، انه لو خيروني بين اطفال العالم الاصحاء وادهم ابني فلن اختار غيره ... فحبي له يملأ قلبي وعقلي وإيماني به تخطى كل الحدود."

كدت ان اقول لها الحال من بعضه يا رفيقة الكفاح، فأنا اشعر بكل كلمة تفوهت بها، فقد اخترقت قلبي وفؤادي ... ثم سكت لحظات وسألت نفسي، ولكن هل يشعر بنا احد غيرنا ؟؟ هل يتفهمون بعض مواقفنا في الحياة ... هل يلتمسون لنا الأعذار؟؟؟

ولذا اصدقائي قررت. أن أوصيكم بهم خيرا ... فأذا صادفت يوما في طريقك أماً تحمل بين يديها طفل توحدي أو طفل معاق بأي مرض ... ورأيت بعينيك تجهمها وتذمرها ... ارجوك استمحيها عذرا فلن تقدر ما بها من مرار طافح إلا إذا مررت بتجربتها.

صديقي .. لا أطلب منك الكثير فقط ترفق بها وحاول ان تترك لها دورك في طابور او مكانك في الباركنج او دورك في المشفى، فإذا كان لديها هي بعض الصبر فمن المؤكد ان طفلها المعاق لا يعرف معنى الصبر.

اعلم جيدا اننا كلنا مبتلون واعلم تماما أن الله سبحانه وتعالي يعطينا الابتلاء على قدر احتمالنا له ولكني فقط اطلب منكم ان تمنحوهم اعذارهم.

ان التوحد مرض العصر الجديد ... الوحش الفتاك ... الذي يحاول سلب ابنك منك وادخاله دوامة حلزونية ليدور في عالم خيالي متوحد لا ابطال فيه سوى هو.

سأعرض عليكم نبذة عن التوحد ... حتى ان شككت لحظة في حالة ابنك سارع في علاجه لعلك تستطيع بالحب ان تنتشله من قوقعته قبل الغوص فيها، وقبل الهروب من يدك.

مرض التوحد هو مرض نفسي وعضوي إلى حد ما، حيث أن اعراضه تكون عضوية ونفسية، وهو مرض العصر الحالي فهو منتشر بصورة كبيرة بين الأطفال في يومنا هذا ، يطلق البعض عليه اسم مرض الذاتوية ، ويكون على شكل اضطراب شخصي يصيب الأطفال ويظهر على الأطفال ما بعد سن السنتين أو والسنتين ونصف ، كما أنه يؤثر غي بعض الأحيان على نمو الطفل.

يميل الطفل المصاب بالتّوحد إلى البقاء على روتينه المعتاد ويخاف من أي تغيير طارئ، مع تكراره لتصرفاته بشكل لا إرادي. (يكره السفر او سفر احد افراد الاسرة او تغيير الخدم)

يواجه الأهل صعوبة في تربية الطفل المتوحّد اجتماعياً، وذلك بسبب طبيعة الطفل المتوحد الذي يفضّل الانعزال تلقائياً وعدم الاختلاط مع أصدقائه . حينما يسمع الطفل المصاب بالتّوحد بعض الكلمات يبدأ بترديدها لا شعورياً بصورة متكررة ومستمرة تُزعج مزعج حوله.

اللغة التي يقوم بلفظها الطفل المصاب بالتّوحد تُظهر غالباً عدم قدرة الطفل على لفظ الكلمات بشكل واضح (في بعض الاحيان همهمات اشبة بالصراخ)، إلى جانب شعوره بثقل في لسانه أثناء نطقه للكلمات، تظهر على المتوحد علامات البرود العاطفي وعدم قبوله لأن يحتضنه أي شخص، ولا يتفاعل مع محيطه من أصدقاء أو أقارب، بالإضافة لعدم حبّه للدعابة والمزاح مع الآخرين.

يحدث أحياناً أن يغضب الطفل ويحزن بشكل عنيف، ممّا يدفعه لاتباع سلوكات عنيفة نحو ذاته ويمكن أن يؤذي نفسه عن دون قصد (ممكن ان يرمي نفسه من أماكن مرتفعه ... ان يعض يديه بعنف حتى النزف). ويعاني الأطفال المصابين بالتّوحد من القصور ببعض المهارات، وبالتالي يلجئون إلى الاعتماد على الآخرين لإنجاز المهمّات غير القادرين على فعلها، وبالتالي عدم قدرة المتوّحد على الاستقلاليّة طيلة حياته (مثل اللبس او ربط الحذاء وفي بعض الاحيان دخول الحمام وحده وتنظيف نفسه).

يتصرف الطفل المتوحد وكأنه لا يسمع أو لا يرى، بحيث يشك الوالدان، ومن حوله، بوجود خلل في حواسه أو إدراكاته. (يشد انتباهه صوت التلفاز على الأغاني وصوت الأذان)، يتّصف أطفال التوحد بالتناقضات الوظيفية الحركية، وذلك إما أن يمروا بفترة كسل وخمول، أو بظهور نشاطهم الغريب، والزائد عن الحد الطبيعي. .يفقد الطفل المصاب بالتّوحد الإحساس بالألم ، أو الإحساس بالبرودة أو الحرارة، فيمكن أن يؤذي الطفل نفسه دون أن يشعر بالذنب أو حتى بالألم (دائما ما تجد في جسده الكثير من الكدمات مصدرها هو نفسه)
يتجنّب الطفل المتوحد الكلام مع من حوله، ويواجه صعوبة بالغة في فهم الحالات والمواقف الاجتماعية التي يمر بها، أو التي يعيشها، أو يسمعها من محيطه (لا يأبهة لمرض امه او اباه).

يفتقر الطفل المتوحد إلى جميع ردود الأفعال الإدراكية والسلوكيّة من تعابير الوجه، أو أي انعكاس لِلغة جسده ليعبّر عن ما يشعر به ... فلا أحد بعلم ما به سوى الله سبحانه وتعالى.

ليس من الضروري ان يكون كل ما ذكرت موجود في الطفل التوحدي، قد يأخذ بعضا منه ويترك سمات اخرى فالتوحد له مقياس ودرجات تختلف من طفل لأخر.

واخيرا لا تعلمون كم اتمنى لكم اصدقائي الا تواجهوا هذه التجربة الصعبة مع احد من ابنائكم ... كما انني افتح بابي لكل من لديها ابن توحدي وبداخلها كثير من الاسئلة عن المستقبل المجهول لأبنها ... فلعلني اكون قادرة على افادتها من خلال تجربتي مع ابني او نكون معا على اقل تقدير يدا تساعد الاخرى.

غادة بدر