#ابراهيم_حمدى يكتب: وداعاً ..أحمد حلاوة (5)

كتب بواسطة: إبرهيم حمدى في . القسم انسانيات

 

إضغط هنا لقراءة الجزء السابق

لا يكبر على الموت .. أحد
فــ " إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ "
قانون إلهي نافذ فينا

ولا إعتراض على حكم السمآء
فمن هو أفضل منك قد .. واراه التراب
فقد مات رسول الله

حين مات أبي رحمه الله توجعت ، وإنكسر بداخلي شيء تجاه هذه الحياة لم يلتئم بعد ، فصعب جداً أن تحتوى بداخلك المعنى ونقيضه ، وما الموت إلا نقيض الحياة فى كل شيء .

الحياة حلم
والموت واقع

الحياة مرونة
والموت حاسم

الحياة ضجيج
والموت صمت

بموت أببي إنتبهت مبكراً أن هذه الحياة التى نحياها ليست حلوة خضرة كما تخيلناها ، وليست هى الدار التى نعلق عليها آمالنا وأحلامنا الكبار ، فالموت حتماً سيقطع دابرك ، والموت حتماً سينهي فصول روايتك ، والموت لا يبكي على أحد ، ولا يتألم لأوجاع أحد ، والأقسي من ذلك ، أن الحياة تستمر وكأن شيئاً مهماً لم يكن .

لا موت يوقف الحياة .
الشمس تشرق ، والصغار يولدون ، والرجال والنسآء يتزوجون ، والحزن تبرد ناره بمرور الأيام ، والنسيان والإعتياد ضيوف جدد ستلتقيهم حتماً فى الطريق . وحرارة السؤال تخفت شيئاً فشيئاً حتى يمر اليوم والأسبوع والشهر ولا أحد يسأل عليك ، فللحياة دوامة تخطف بداخلها كل البشر ، فالكل تائه لا محاله . ومن ينتبه إليك اليوم سيتوه عنك الغد ..

كل ذلك وما هو أقسي وأكثر واقعية منه تعلمته بموت أبي .

لكن ما يؤرقني اليوم أكثر من أى وقت آخر أننى لم أستطيع أن أصدق خبر وفاتك حتى الآن خالو !!
لا أتعامل معه بواقعية ، لازلت لم أستوعب الحقيقة ، ولا أدري ما السبب ؟

هل هو ضعف إيمان وتسليم ؟
أم هو فرط حب وتعلق ؟
أم هو وقع الصدمه ؟

فأمام القليل الذي عزوني فيك ما كنت أردد سوى قول : ثقيل هو الخبر .. ثقيلة هى الصدمة .
نعم حياتنا بات فيها كل جميل قليل ، فقليل من يعزيك ، وقليل من يهنيك ، وقليل من يُسرع إليك ، وقليل من يشعر بك دونما كلام ، وأنت فى حياتنا "خالو" كنت هذا القليل ، كنت من يسرع ومن يسأل ومن يطبطب ومن يشعر ومن يجبر الخاطر .

فمتى أتعامل مع وفاتك بواقعية ، لعلنى حينها أستعين عليها بشيء من الإيمان والتسليم ، وبعض الإعتياد . ولعلنى حينها أستعين عليها ببعض الصو ر القديمة لك ، ولعلنى حينها أمحو رقم هاتفك ولا أنتظر سماع صوتك قريباً ، لعلنى حينها أوقن كم أنا يتيم بدون أبي ، يتيم بدون عمي ، يتيم بدونك خالو ، يتيم للقدر الذى أستحق عليه يد السمآء تطبطب عليّ كما فعلت قديماً مع رسول الله حين أتاه الوعد " ولسوف يعطيك ربك فترضي ".

أسائل نفسي أحياناً .. لأى شخص أنتمي فى هذه الحياة ؟!
إذا كان الفقد هو الجليس الوحيد معى كل ليله ؟ ،

أتعلم خالو كم صديق إفتقدته ؟
كم معلم إستوحشته ؟
كم قدوة لى خسرتها ؟
كم معنى وكم قيمة وكم جميل، تخلي عني ؟

أوجعتني هذه الدنيا كثيراً لأننى إستقبلتها بآمال عريضة ،
تخيلت – لحداثة سنى ولحنين قلبي – أن كل من سأحبه سيبقي ،
وكل من سأحتاج إليه سأجده ، وكل من عرفني لن يفرق بيني وبينه الزمان .

تخيلت أن أبي لن يموت ، وأن أمى لن تشيب ، وأن أخى لن يكبر بعيداً عنى ، وأنك "خالو" لن تغيب ، وأن كل صديق أحببته لن يهجرنى دونما وداع ، حتى الوداع إستكثره عليّ بعضهم .

ترى "خالو" هل العيب عيبي أنا ؟
ففى كل مرة يقال لي .. العيب عيبك أنت
نعم .. ربما يكون العيب عيبي ، ومن اليوم المفترض أن .. أنضج
الحياة ملولة من كل المعانى ، إلا معنى .. النضج ، لا تمل منه
تكرره عليك فى كل مرة ، تسقيك منه جرعات زائدة حتى تتشقق ضلوعك
لا تمنحك هدنة التفكير أو الإقتناع .. رغما عنك ستنضج

ستنضج .. وسيصفق لك الجميع ويبارك فيك نضوجك
سيحي فيك الجميع أنك الآن .. تقبلت الحياة

فهمت الآن الحديث الشريف : يا محمد أحبب من شئت فإنك مفارقه ، وعش ما شئت فإنك ميت .
تعايشت مع الوحدة ، ومع السكوت ، ومع طبائع الناس بشذوذها ، مع نكران الجميل ، ومع ذهاب الأيام .
تَمنطّق عندك كل حدث ، فهذا قدر الله ، وهذه هى الدنيا ، وهى الحياة .. كلمات يورثها جيل لجيل .. وكأنها التنزيل .

لكننى مهما كبرت ونضجت .. لازلت لا أستوعب فى هذه الحياة بعضها .
فلازلت لا أستوعب كيف تروق لي حياة ليس فيها أبي ، وليس فيها عمي ، ولست فيها أنت يا "خالو" ؟
لازلت لا أستوعب أننى كبرت وأننى أجدر بمواجهة الحياة وحدي ، لازلت لا أستوعب هذا الجريان السريع للعمر والسنين ، لازلت لا أستوعب هذا الشيب الذي ينسحب على رؤوس شباب عائلتي ، لازلت لا أستوعب هذا الجيل الجديد من أبنائنا الذى صار يزاحم مجالسنا بضوضائهم وبراءاتهم ، لازلت لا أستوعب زحام الحياة الذى ما عاد فيه أحد يفقدني ويسأل عني ويهتم لأمري ،

لازلت لا أستوعب الكثير مما أعايشه فى هذه الحياة .
الحقيقة التى أصارح نفسي بها كل ليلة .. أنا لم أنضج بعد .. فبداخلي طفل يأبي أن يكبر .. طفل يخشي ظلمة الليل ، ووحدة المبيت ، ويمل من قلة الأحباب ، طفل بكى كثيراً وصار بكاؤه داخله يمرضه ويسقمه ، طفل يريد أن يعبر عن كل شيء يطلبه ، لكنه خرس عن الطلب ، أخرسه عدم الإلتفات إليه ، والشغف به .

طفل يصيبه اليأس والفتور تجاه هذه الحياة كل يوم وكل لحظة وفى كل موقف ويحتاج لمن يربت دوماً على كتفه ويمنحه الثقة فيما أتيحت له من إمكانيات ومهارات . طفل صغير بمعنى الكلمة لم ينضج بعد .

الآن أواجه بناتي الصغار ،
ويحيرني أمام براءة عيونهم أسئلة تترى لا أجد لها إجابة !!
على أى شيء أربيهم ؟ .. فأى معنى سأغرسه فيهم اليوم سيتألمون به غداً .

إن ربيتهم على كثرة الأحبة حولهم وإهتمامهم بهم فسيؤلمهم غداً غياب هذه الوجوه واحداً تلو الآخر ، وإن ربيتهم على أخلاق النبل والوفاء والعطاء والإحسان فسيؤلمهم غداً أن هذه الألفاظ ما باتت تتداول بين الناس فسيشعرون من أعمار قريبة أنهم غرباء فى عالم غريب ،

وإن ربيتهم على معانى الرضا والصبر وقناعات الإيمان بالقضآء والقدر فأنا بهذا قد منحتهم جرعات لم يأن أوانهم من دواء النضج المر الذى ستسقيه الحياة لكل شخص على جرعات تتناسب أو لا تتناسب مع مراحل عمره .

إننا لا نكبر بالأيام حقاً ، بل بالمواقف التى عشناها ، وبالشخوص الذين مروا بحياتنا ، وبأحلامنا التى تمنينا يوماً أن تكون .

فأى تاريخ ينبغي أن أحكيه لهم كى يتواكب مع التاريخ الذي سيدرسونه فى المناهج ؟
وأى واقع ينبغي أن أتحدث به حينما أحدثهم عن الحياة يتناسب مع ما سيلاقوه منها حتماً ؟
وأى قناعات يجب أن أغرسها فيهم لا يشعروا معها غداً أنهم غرباء عن زمانهم والكثرة من حولهم ؟

صدقنى "خالو" .. أنا لست يائس ولا أعانى من بوادر إكتئاب ،
فمثلي لازال يدندن فى صدره صوت قرآن الصبي ، وحلقات العلم ، وشيء من كتب الرقائق ، وصحيح العقائد ، ولازلت أتكيء عليهم فى الطرقات المعوّجه ، غير أننى أرى الحياة اليوم بغير ما كنت أراها من قبل ، وبت أكتشف أن حكاية الحياة تتكرر ، وأنها ما عادت بالنسبة لي حكاية مثيرة تلفت إنتباهي ، وبت أوقن أن ما واجهته فيها سيواجه أبنائي يوماً ما ،

مت خالو قبل أن تخبرنى أن التربية حمل ثقيل ، ومن إستهان به يُعاقب بخيبة الأمل في ذريته .
اليوم صرت أنا الخال ، وأنا العم ، وأنا الأب .. اليوم صرنا نحن أبطال الرواية الجديدة ، وصار من يصغروننا ينظرون إلينا نظرة التعلق بالقدوة الكبير ، ويفرح بعضهم بالقليل المتساقط منا على هيئة نظرة عين أو إبتسامة وجه أو سؤال عابر .

فإن من يحب يري حبيبه أكثر من حقيقته ،
وأنت حبيبي ، وأنا لازلت أراك بحقيقتك وبأكثر من حقيقتك ، ولازلت أعانى فيك فقداً قديماً .

بموتك خالو .. عجزت عن الحلم وعن الطموح .
شيء ما بداخلي يخبرنى أننى مهما سعيت فلن أبلغ سعيك ، ومهما حلمت فلن أبلغ حلمك ، ومهما أنجزت وأنفقت وخدمت الناس فلن أبلغ شيء من قدرك ، وفى النهاية مات الباشا دونما إنتباه ، وتنتهى الحكايات الكبيرة دونما إنتباه ، فأى طعم للحياة يجب أن أتذوقه ، وأى طموح سيثيرني الركوض إليه ، فأنا صغير خالو ، صغير جداً ، ولازالت الدنيا تعاندني وتعصى رغبتي في أن أكون فيها ذا غرس عميق .

كنت أنت مرمى بصري في الكرم ، والجود ، والعطاء ، والحب
وكان أبي هو كل المعانى ، وكل القيم ، وكل الأمان ، وكل الحياة
وكان عمي أخاً وحيداً لأبي ، فتفرد فى قلبي مذاقه، وتفرد فى قلبه حبي .
بيدي وعلى كتفي وبصوت دعائي ودعتكم على باب قبر موحش ، ودعتكم فى صمت ، وبكيتكم وحدي أشد البكآء.

مذبوح أنا دونكم ، كطائر لقمان بن عاد الذى ثقلت أجنحته أن تحمله فى فضآء السمآء فسقط ، يبدو أننى لم أسقط بعد ، لكننى أستوحش الحياة كثيراً ، وأرفق على بنياتي كلما تعلقت أحداهن برقبتي ، وأوثقت يدها في يدي ، وتدثرت بأحضاني . هى سنة الحياة ، وهو مراد الإله أن يختبر فينا الصبر ، فمن رضي فله الرضا . رضيت يارب . رضيت

والورقة كالحياة ، مهما طالت لابد لها من نهاية وختام .
فهل بخاتمة رسالتى اليوم إنتهى عنك كل الكلام؟
هل خمس مقالات وإن إحتوت على خمسة آلاف كلمة أو يزيد هل هذا هو كل ما يقال فيك ؟

هل عبّرت الحروف والألفاظ والمعانى على وصف ما فعله فيّ خبر وفاتك ،
قد أصابنى موتك فى كل شيء ، وبعثر ما كنت أبقيه مرتباً بداخلي ،

أعدك خالو ...
أننى سأحاول أن أصدق خبر وفاتك ،
أعدك ..،
أننى سأقنع نفسي أنك مت ، وأنك غبت ، وأنك كنت .
أعدك ...
أننى كلما أشتاق إليك سأزورك فى بيتك الجديد .. القبر .. راضياً .
أعدك ...
أننى سأنتظرك فى كل منام مبتسماً ، سأخفي عنك دموعي ، وفقدي .
أعدك ...
أننى سأقاوم ، وسأقاوم ، وسأقاوم .. وأتجرأ أن أنظر لعين إبنتك دونما بكآء .

أعدك .. أننى لن أخذل أبناءك فيّ قدر جهدي .. ولن أوفيّ .

وفى الختام .
سلامٌ عليكم ،
سلامٌ على كل ليلة شهدت فيها جمعتنا .
سلامٌ على كل صورة رسمت بداخلها ضحكتنا .
سلامٌ على كل مكان كان لنا فيه ذكري ولازال يشبهكم ويشبهنا .
سلامٌ على الضحكة الحلوة ، وعلى اللمة الحلوة ، وعلى الليالي الحلوة .

سلامُ على وعد .. باللقاء .
فى جنات ونهر ، فى مقعد صدق عند مليك مقتدر

إبراهيم حمدى