#غادة بدر تكتب: قواعد الصداقة الأثنى عشر

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم انسانيات

 

صحوت من نومي كعادتي وذهبت الي العمل، وكم كان ذلك ثقيلآ على قلبي ... ففي الأونة الأخيره كانت الأجواء دائما مشحونه والسمة الأساسية للعمل هي المشاحنات والمشادات.

لكن العجب العجاب ان تلك المشاحنات كانت تحدث من زملاء مهنة واحدة، لهم أكثر من خمسة أعوام يعملون فيها معا في نفس المكان ... يعني بالبلدي كدة بيقعدوا مع بعض اكتر ما بيقعدوا مع عيالهم ومراتتهم ... عشرة عمر يعنى.

اليوم احد المهندسين عرج على مكتبي ... كان الإنفعال باديآ على وجهه. حاولت أن اهدىء من روعه ... رد عل وقال: خليكي انتي قاعدة كدة مطيباتية ... ومشي وسابني ... انا فتحت بقي ومن ساعاتها ماقفلتوش، حسيته بيشتمني على الرغم من ان مقصده كان شريف، وهو اني ما بكسرش بجبر خاطر حد وبابي مفتوح دائما للكل.

بس فكرت شوية مع نفسي وقلت يمكن هو شايفني فعلا اني بوشين .. أو عديمة الشخصية او بلا طعم .. او يمكن شخص مسالم خايف يخش في مشاكل مع حد ... او فعلا شايفني كل دول مع بعض.

وبعد ما دموعي كانت هتغرق الدنيا فجاءه قلت في نفسي ... لا لا ده اكيد يا بت يا غادة نيته سليمة وشايفني ملاك بجناحين او قديسة تشفع للنفوس المريضة ... وقفلت بقي.

الأكيد اني مش قديسة ولا ملاك ولا بنت ماحصلتش ... ولا الناس اللي زيي خلصت لأني فعلا مش كده ... انا زي زيكم .. وعارفة نفسي كويس فلست ملاكا ولا شيطانا ... ولكن اختلافي عنكم هو ان تجاربي في الحياة بتعلم فيه وبتخلقني من جديد.

عودة للماضي البعيد ..
سها بنت جميلة كان عمرها يقارب عمري ... متى سكنت سها امام منزلي ... هل تتذكرون البناية الحديثة التي بنيت امام منزلنا بدلأ من الفيلا القديمة التي كنت ألعب في حديقتها مع سامية خادمة منزلنا (ارحو الرجوع الي مقالي السابق الأفضال التي لا تنسى) ... تلك البناية التي خطفت مني سامية خادمتي ومربيتي ... فكأن الله قد اراد أن يعوضني عن سامية بسها ... فبعد أن عمرت البناية وانتهت تشطيباتها بدأ السكان يهلون واحد تلو الآخر، حتى جاءت عائلة سها وقطنت في الشقة المواجهة لمنزلنا.

شرفة منزل سها كانت في مواجهة شرفة منزلنا بالتمام ... كل يوم كنت ارى سها واتمنى ان تكون صديقة لي، فقد كانت سها جميلة بيضاء مرتبة الملبس ... توها هي وعائلتها عائدون من الخليج .. كنا في أعمار الزهور في مرحلة مدارس الإعدادي، وبالفعل حدث ما تمنيته واصبحت سها صديقتي ... وليست صديقة فقط بل خليلة ... فقد توطدت العلاقة بيننا الي اقصى الحدود ... وصلت إلى أنها حين كانت تواجه مشكلة مع احد من افراد عائلتها لا تتردد في أن تحادثني هاتفيا، حتى لو كان ذلك في الساعات الاولى من الصباح.
وحيث انني من الشخصيات التي ليس من السهل ان تتعانق في صداقة حقيقية مع احد ... لذا فقد اسعدتني صداقتي بسها واستعوضت عنها غياب سامية عني وكنت لها وكانت لي الدواء..

ما ساعد على عمق الصداقة بيني وبين سها تشابه ظروفنا الأسرية .. كبرنا سويا وبحكم الجيرة اصبحنا مثل الأخوات ... حتى اتذكر أننا كنا نذهب سويآ للمصيف مصطحبين معنا حقيبة سفر واحدة، فقد اختلطت ملابسي وملابس سها في خزانة واحدة فبت لا اعرف ايهما ملابسي من ملابسها.

وعلى الرغم من عمق علاقتنا فقد كنا لا نستذكر دروسا سويا ... ففي ساعات الأستذكار والتحصيل ترجع سها الي منزلها. لا لشىء سوى ان سها كانت تصغرني بعام واحد. وبالرغم من ذلك الا ان سها هي الصديقة الوحيدة التي لحقتني والتحقت معي بكلية الهندسة ... فإلي هذا الحد كنا متطابقتين ... ازداد ألتصاقي بسها في بداية سنوات الجامعة فنحن نذهب سويا الي نفس الكلية ونرجع معآ تقريبًا في نفس الوقت .. كانت علاقتي بسها بها نوع من الأستاذية ... بمعنى اوضح تعودت سها مني على لعب دور الاستاذ الناصح النصوح وتعودت منها على لعب التلميذ النجيب.

كان ذلك بحكم اني اسبقها في العمر بسنة، ولكن سها بدأت تكبر وبدأت في رفض الطاعة .. فشخصيتها قد ثقلها العلم والمعرفة فرفضت دور التلميذة، وبدأت بيننا صفحة جديدة من عدم أنصياعها لتعليماتي وتمردها الدائم علي حبي لها، وفي نفس الوقت رفضت انا التنازل عن دور الاستاذ والرجوع الي صف الصديق ... كثرت المشاكل بيني وبين سها فكل واحدة منا كانت متمسكة برأي تظنه هو الصواب ... كل منا تريد بكل الطرق ان تثبت للأخرى ان رأيها هو الرأي السديد حتى لو ضرت احدانا الأخرى ... المهم ان تثبت انها الصح.

اصبح لا يجمعني بسها سوى الصراخ ... ذهبت الضحكات الي حيث لا رجعة واصبح لقائي معها يثقل كاهلي بعد أن كان يخفف عني ... وبالفعل تباعدنا ...ثم تزوجت كل واحدة ومشت في طريقها حتى عند زواجنا تبخل احدانا على الأخرى بالنصيحة ... كنا نرى بعضنا كالغرباء ... ولكن نحاول ان نبدو لمن يعرفونا انه لا زالت تجمعنا روابط الصداقة ... ولكن الحقيقة اننا قد قطعنا كل خطوط الرجعة.

في كل مرة أعود الي الوطن اقف في شرفة منزلي وارى منزلها يقف صامدا امامي، فلازالت امها تقطن به ... ارى امها ترتشف رشفة من كوب الشاي، ألقي عليها بالتحية ولا اجرؤ على سؤالها اين سها الآن ... فلقد كسرنا كل ما كان بيننا بالعند وتحكيم الرأي وصلابة الموقف.

ومن يوم ان اصبحت علاقتي بسها باهتة عاهدت نفسي ان أتغير، وبالرغم من صغر سني في هذه المرحلة الا انني بالفعل تغيرت وقررت ألا أخسر صديق بعد اليوم مهما بلغ خلافي معه. وهكذا تصالحت دفعة واحدة مع كل البشر وتقبلتهم على كل عيوبهم ... ليست ملائكية مني لا سمح الله زي ما قلتلكم، ولكن لأني فهمت الحياة صح، فأذا لم يكن بأمكاني تغيير شخصية سها فلأتغير أنا.

إليك صديقي قواعد الصداقة الأثنى عشر ظ... وهي خلاصة تجربتي في الحياة ... أنا هقولهالك بالبلدي كدة علشان تخترق قلبك وتفهمها صح

اولا:-
لازم تكون مقتنع أن أنت مش انا ولا انا انت ... فعلشان كدة بالتأكيد انت مش ممكن تقتنع باللي انا مقتنعه بي ... ولا هتشوف الصورة زي ما انا شايفاها، وانك ما تقدرش تغير قناعاتي في قاعدة حلوة وكوبايتين ليمون. وعلى فكرة اختلافنا ده شىء طبيعي وصحي جدا .. الحاجة الاهم ان في حاجات ممكن تنفع معاك وتتقبلها عادي جدا ... بس ما تنفعش معاياه خالص و لو حصلت ليه ممكن انتحر او اخلص عليك.

ثانيا:-
قبل ان تدخل معايا في نقاش بيزنطي ... حاول ان تنتقي الوقت المناسب وعلشان انت صاحبي. هاحكيلك حكاية يمكن تفهمك انا بقصد ايه ... واحد من أصدقائي مر في طريقه بأحد الشحاذين .. تثاقل الشحاذ في سؤال صديقي فما كان منه الا ان سبه قائلا: روح شوفلك شغلانه وانت شحط كدة بدل الشحاته ... بعد اسبوع مر في نفس الطريق وتكرر الموقف ولكن موقف صديقي هو الذي اختلف فقد نفحه عشرة دنانير مع ابتسامة رائعة. الموقف اختلف بأختلاف الحالة النفسية لصديقي، فلقد كان صديقي لتوه قد نال ترقية في العمل ... فهمتني ولا لسة يا ابو مخ تخين.

ثالثا:-
في حاجة مهمة جدا لازم تفهمها ... ليس كوني اسمعك واحاول ان اتفهم موقفك مع ابتسامة مرحبة ليس هذا معناه انك اقنعتني او دخلت تحت باطك ... حوارنا معآ لنصل الي نقطة تلاقي ولكني في النهاية لست ملزمة بتقبل الحوار اذا لم يقنعني ... يعني ممكن عادي اشد عليه السيفون ... وعلى فكرة كمان متقفش ليا على الواحدة ... او تستنالي زلة لسان وتنسى كل اللي فات ... فلا تحكم على احد من موقف عابر او زلة ... ولا تتصيد له الاخطاء.

رابعآ:-
عند النصيحة اترك مقعد الاستاذ واجلس بجانبي على مقعد الدرس ... ما تعملش فيها الألفة وحياة ابوك ... اقبلني بعيوبي قبل مميزاتي حتى اقبلك انا كما انت ... الموجب يجذب السالب دائما فالاختلاف يولد التفاعل ... فكر جيدا قبل ان تتعامل معي ... هل تحب ان اتعامل معك بنفس الطريقة هل تتقبل مني اهمالي لك او تعمدي أهانتك.

خامسآ:-
لازم تقتنع بأهميتي في الحياة زيك تماما، فلست انت الشخص المهم فقط في هذه الحياة ,.. فكلنا ولاد تسعة يا حبيبي فما تشوفش نفسك عليه. حذار وحذار ان تبخس عملي حتى تكسب رضى مديرك ... فانا وانت وهو وهي سنون صغيرة في ترس الحياة. ليكن شعارنا ايد لوحدها ما تسقفش ... انا صفر من دونك وانت صفر من دوني.

سادسآ:-
اختلف الزمان فلا تفرص على ابنك حياتك كما لم يفرض ابوك عليك حياته، فكل جيل له نكهته وعاداته وتقاليده ... زوجتك او زوجك يكملانك وليسوا صورة طبق الأصل منك ... فليكن شعارنا لن اعيش في جلباب أبي. ابنك الفاشل في حاجة للتحفيز والتشجيع حتى يخرج من دائرة الفشل الي دائرة الأبداع.

سابعآ:-
ابحث عن الأعذار لي، فانا في النهاية بشر والبشر خطأون ... انظر الي ايجابايتي ولا تقف كثيرا امام سلبياتي... لترى محاسني وخيري قبل مساوئ وشري.. ولتكن ابتسامتك بوابة دخولك الي قلبي.

ثامنآ:-
الاختلاف سمة البشر ... كما انه لا يوجد على هذة البشرية انسان كامل فالكمال لله وحده... وعلى فكرة لولا تقصيري ما كان ظهر نشاطك وتفوقك عني في العمل ... ولا كنت شميت ريحة الترقية بحياتك .... كما لا تنس يوما أن الصديق مرآة صديقه ... يعني خليها حلقة في وداناتك ... لا احد يرى عيوب نفسه ... اجعل من نفسك ظهرا وسند لي وسأكون لك الصديق الوفي.

تاسعآ:-
تذكر جيدا انه انا وانت نشكل فريقاً ثنائياً يمكنا معا انجاز العمل في نصف الوقت. وتذكر جيدا ان اي لعبة في الحياة تتكون من فريقين. اعلم جيدا أن الخير لايقف عند احد ... فالخير يكفي الجميع ... وان كانت دامت لغيرك ما وصلت لك. لا يستطيع المرء ان يأكل اكثر من طاقته فدع الخير يصل الي إلى غيرك وليكن عن طريقك ... لك حق وعليك حقوق فلا تنساها.

عاشرآ:-
اذا شعرت ان بي عيوب حاول ان تغير من نفسك بأن تتقبلها ولا تحاول ان تغيرني انا ... تقبل الاخر واختلافه وطور من نفسك حتى تكون انساناً واعياً.

احدى عشر:-
تذكر جيدا ان إختلاف الألوان يعطي للوحة جمالا وابعاداً لا نراها، فتخيل لو كنا كلنا نفس اللون ونفس الطعم ... فكما كانت حياتنا ستكون باهته او قاتمة دون روح.

اثنى عشر:-
أخيرا لابد وحتما ان تقتنع أن الشمعة تستطيع ان تنير غرفة كاملة، والصديق الحقيقي ينير حياة كاملة.

تلك هى خلاصة ما تعلمته من تجربتي ومناقشاتي البزينطية مع سها ... ألستم معي يا أصدقائي ان خسارة أى منكم لصديق حقيقي في هذه الحياة تستحق منك ان تتغير؟

أصدقائي ... اعتقد اننا كبرنا بما فيه الكفاية لنفهم ان ما جمعنا في فوز مصر على المغرب وبوركينا فاسو لهو اكبر بكثير من ان تفرقه بعض الاختلاف في الانتماءات السياسية.

غادة بدر