#ابراهيم_حمدى يكتب: وداعاً ..أحمد حلاوة (4)

كتب بواسطة: إبرهيم حمدى في . القسم انسانيات

 

 إضعط هنا لقراءة الجزء السابق


الحقيقة دائماً أمامنا .. لا تختبيء ... نحن من نخفيها أو نتخفي منها .

نتعمد الهروب منها ، عدم تصديقها ، تجاهل مرارتها .. لكنها موجودة .

سنصطدم بها فى لحظة ما .. سنكتشف يوما ما أننا نلتقيها وجهاً لوجه فى الطريق .
ولحظتها .. لن يجدى.. الهروب ، التجاهل ، التنكر لها .. هذه هى الحقيقة !!

كل شيء دار برأسي من أسئلة وحوار بينى وبين خالقي سبحانه ما كان سوى هروب وعدم تحمل وقع الحقيقة على قلبي ، كان شيئاً من سفسطة المتكلمين لا محل له الآن ، فالآن لا يليق معه سوى الإعتراف بالحقيقة كما هى والتعامل معها بما يليق بالرجال فى هذه المواقف .

لكننى لم أحتمل "خالو" .. إعذرني
وجع ثقيل علي نفسي أن أعترف أنك .. مت !!

أحمد حلاوة .. الباشا .. لازال بيننا ..
يغمض عينيه .. ربما .. لكنه حتماً سيفيق .
يرقد ممدد الأطراف .. ربما .. لكنه حتماً سيعتدل .
يحمله الرجال وتبكيه النسآء .. ربما .. لكنه حتماً سيعود .

شيء بداخلي كان يهمس لي بذلك .. بل ويؤكده لي .
كل شيء يحدث اليوم هو كابوس ثقيل كألف كابوس آذاني من قبل .. سأفيق منه صارخاً أو باكياً أو مفزوعاً .. ربما
لكننى حتماً .. سأفيق

سأفيق وأجدك حبيبي معي .. وبيننا .. أنت كما أنت
راضون نحن بما بقي منك .. حتى لو لم يبقي منك سوى صوت .. سوى نظرة عين .. سوى جسد عليل .

جميعهم لا يعرف ما أسررتني به ، نعم أنا لم أنقل لهم حديثك معي ، كعادتي أكتم السر ولا أنطق به ، فلم أخبرهم بحديثك لي قبل موتك بأيام قليلة ، كنت يومها تفتقد فيّ شيء لا أدري ما هو ، وكلما هممت بالإنصراف طلبت منى المكوث ، وكلما غاص الليل في سواده أكثر ، زاد شوقك لمزيد من الحديث معيّ أكثر .

كنا وحدنا ، كنت تتلوى من وطء الوجع ، تنام يمنة ويسرة وعلى ظهرك وتحتضن وسادة كأنها العمر الذى فات ، وتحدثني .. تُحدث فيّ شيئاً تُحبه ، لا أدري ما هو ؟ .. لم أسألك لماذا آثرت أن تتحدث معي وحدي ليلتها .

كعادتى فرشت لك فراش الصمت ممهداً لتطأه بوقع كلماتك كما تشآء ، قاطعك سعال سخيف وأنت تخبرني أنك تكافح ولا تتكلم ، وأن لا أحد يدرك وقع المرض عليك ، ولا أحد يتخيل ما الذي تحتمله من وجع وحدك ، وصفت لي بعض آثار قوته وعنفوانه عليك ، وزاد صوتك إصراراً وأنت تخبرني أنك تكافحه ، وستظل تكافحه وتقاومه ، والأمل فى الله الشافي الكبير .

الآن ..تصدمني الحقيقة
الحقيقة .. أنه كان أقوى وأكثر عنفواناً من مكافحتك ومقاومتك له .
الحقيقة .. أن سيفك سقط ، وما بقي شيء تقاوم به ، فإستولى عليك خصمك .
الحقيقة .. أن بقايا آثار ملبسك ومرقدك هى الباقية لنا الآن ، أما أنت فقد أسرك الموت منا خلف هذا الباب

خلف باب القبر .. رقد "خالو" فى نعاس طويل .
رقد جسد الفارس فى دعة وإطمئنان .. وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة .. ويترقبها .

صوت الباب وهو يُغلق .. وسلامات الواقفين عليك .. ودموعهم المتناثرة حول قبرك .. وصوت من هو بجواري خافتاً يطلب منى الدعاء بصوت جهير ، وهيبة اللحظة وصمت المقابر وأنين الصدور ووجع القلب ، كلها كلها كلها صرخات فى وجهى تعلنها فى عناد .. مات أحمد حلاوة .. مات الباشا .. فإنتبه .. مات فلا تهرب من الحقيقة .. مات وهو الآن ينتظر منك صوتك ودعاؤك.

فرفعت يدي وعلّقت بصري بالسمآء التى ترقبنا من بعيد وعلا صوتي بالدعاء ، ورجال كثر يؤمنون ، ودعآء يجلب دعآء ورجآء يستدعي رجآء ، ونظرة للسمآء كفيلة لأن تُعبّر عن كل ما تجيش به الصدور .

كنت أستشعر لحظتها أنى فى حضرة الخالق سبحانه وحدنا ، وأننى أرجوه رجآء من لا ملاذ له سواه ، كنت أراني أنا الراقد مكانك ، ولا رجآء لي إلا هذا الرجآء الأخير ، كنت أشد على الألفاظ والكلمات والدعوات ، وكنت أكررها كلما إستشعرت أنها لم تُقبل بعد ، والرجال الكبار يؤمنون وبعضهم يبكون ،

لم يدري أحد منهم أننى لست منهم ولست معهم ، أنا الميت خلف هذا الباب الصغير ، وأن صوتي الجهير ليس مقصوداً به أن يصل إلى آخر صفوفهم ، لكنه مقصود لكونه ندآء أخير من ورآء القبر ، ندآء أخير منى إلى خالقي سبحانه الذي بيني بينه جسور وحواجز من الذنوب الثقال ،

علا صوتي صارخاً راجياً .
يااااااااااااارب

مات الكريم فأكرمه ، مات الحبيب فلا تهمله ، مات جابر الخوطر فأجبر خاطره ، مات قاضي الحاجات فلا تمنعه ، مات كثير الصدقات فلا تُحزنه ، مات المريض الصابر فلا تتركه ، مات العبد المُقصر فلا تعاتبه ، مات من لا حول له ولا قوة إلا بك فلا تخذله ، مات البار بوالديه فلا تهينه ، مات مؤدي الآمانات إلى أهلها فلا تفضحه ، مات راجياً عفوك وسترك وجودك وحنانك ومنّك ورحمة منك إليه فلا تردُه . يا غواث أغث حبيبنا ، يا غواث أغث حبيبنا ، يا غواث أغث حبيبنا.......

صمتت القبور فى خشوع ، وإصطف رفات الموتى بأكفانهم خلفنا ، وإنتبه نخيل القبر فجآء يودع نخلتنا ، وأجنحة الملائكة تحمل سكينة من السمآء تتنزل علينا ، والذباب الأخضر لا يغيب عن حضرتنا ، والقوم يستزيدون الدّاعي أن لا تتوقف، فيملؤون آذان الكون بقول : آآمين آآمين ..

لم يكن دعآء يشبه أى دعآء
لم أستشعر شيء لحظتها إلا أنا والسمآء وباب القبر ثالثنا ، شيء مني ورآء هذا الباب ، ولن ينقذه إلاك يا إله الأرض والسمآء ، أصرخ وأتضرع وألح فى الرجآء مع علمي أننى لست أنا من يليق منه الدعآء .. لست أنا العبد الصالح على وصف ذوي العمم واللحي .. لست أنا الخالي من الذنوب .. لكنى أنا العاشق المكسور .. أنا اليتيم الذي لم تلتئم كسرة قلبه .. أنا الذي شيء منه الآن بين يديك ربي .

ألا يشفع له حبي عندك خالقي .؟ .. ألا ترحمه إلهي إكراماً لشوقي إليه . ؟ .. ألا تغفر له جبراً لخاطري .؟ .. ألا تكتب له الجنة بغير حساب ولا سابقة عتاب كى لا ترد إليّ دعائي خائباً ؟

تندت علينا سحآئب السمآء ، لكأنها دموعها .
وبُح صوت الداعيين ، وبات اللفظ أعجز عن التعبير ..

فالصمت الآن أبلغ
والحقيقة باتت أفصح .

مات .. الباشا
وينتهي الدعآء الطويل ..
ويحتضن الناس الدّاعي .. ويصافح بعضهم الواقفين ..
وينفض الجمع

فهنيئاً لتراب ضمّك إليه
هنيئاً لقبرٍ إحتواك ،
هنيئاً لسكني مقابر جاورتهم .

نلتهي عنك فى زحام ضيوفك الوافدين إلينا معزيين ،
نراهم .. فنحتضنهم بقدر محبتك لهم ،
والقرآن الكريم يُتلي على باب بيتك الكبير ،
وسرادق العزآء مثقل بزحام الجالسين الذين كلما خلا بعضهم وفد إلينا مثله وزياده .

وبيتك الكبير يطل علينا من سمو ، يقف شامخاً ثابتاً رغم الفقد ، يكتم عنا دموعه ونكتم عنه وحشة صدورنا ، ودّعنا المعزيين جميعا ، ولم نجد من يودعنا سوى بيتك الكبير ، تبادلنا معه النظرات الحبلي بالحنين لأيام كنت فيها بيننا ، بكى أولنا فثانينا فثالثنا ، ودون أن ينطق أحد لم يبق فينا واحد إلا وفاضت عينه بالدموع ، نظرة واحدة للبيت الحزين نزعت عنا ثوب الإحتمال والوقار .

وداعاً يا صاحب البيت الكبير .. وداعاً والسلام .

ابراهيم حمدى