#غادة_بدر تكتب: رسائل بلا الوان (2)

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم انسانيات

 

في بهو منزلنا تقبع صورة كبيرة لأبي محاطة بإطار مذهب ... كنت كثيرا ما اختلس عدم وجود احد غيري بالمنزل واحاول ان اشب على اطراف اصابعي لألمس هذه الأسطورة ... ثم اسأل نفسي: ابي هل انت حقيقة ام خيال؟

لم يكن ابي مجرد اب فقد كان اسطورة ... اسطورة تناقلتها الأجيال ... ولم اكن انا من صنعت هذه الاسطورة ولكن الاسطورة صنعت من حكايات وقصص سمعتها من اقاربنا ... من جيراننا ومن اصدقاءنا أيضآ .. اساطير سمعتها من كل شخص صادف ابي في حياته فترك ابي بصمته عليه.

استكمل القصاصات الحائرة بين السماء والأرض .. (اضغط هنا لقراءة القصاصات السابقة)
استعطفك ابي الا تغضب مني فانا لم اخلق لأكون هذا المخلوق الهندسي ... اشعر اني ضائعة بين هذه المواد التي لا أشعر بها او حتى تثير اهتمامي ... هل تصدق ابي انني لم اكون صداقات مع احدآ من طالبات كليتي حتى الان ... هل تعلم لماذا ... لأني بالفعل لا انتمي لهذا المكان.

ابي ... في رسالتي السابقة حاولت وحاولت أكثر من مرة ان أمرر لك خبر رسوبي ولكن سقطت مني الكلمات وتاهت من قلمي العبارات فلم اقوى على مواجهتك، ولكن ما باليد حيلة ففي النهاية ستعلم. والأفضل لكلينا ان تعلم مني لا من احد غيري .. فأنا الان في السنة الثانية كلاكيت تاني مرة ... نعم ابي فقد رسبت بالعام الماضي.

الرحمة ابي ... اصبحت الدراسة كابوسي بعد ان كانت متعتي وملاذي ... فالآن تأكدت ان دراسة الهندسة لا تستهوني ... واصبحت لأول مرة اهاب دخول الإمتحانات ... أنت لا تعلم وكيف لك أن تعلم، فأنت كنت دائما زهو هذه العائلة وفخرها ... مكتبتك لا تزال تقف شامخة بمنزلنا زاخرة وعامرة بكتب العلم والدراسات العليا ... وهكذا فكيف لك ان تعلم شعور الراسب وهو يدخل الإمتحانات للمرة الثانية، يدخلها وهو يعلم انها فرصته الأخيرة ... لن تتخيل كم هي تجربة قاسية يا ابي.

ابي اعلم تماما انه لا توجد شجرة لم تهزها الريح ولا انسان لم يهزه الفشل، كما اني متاكده ايضا من وجود أشجار صلبة واشخاص اقوياء ... فأعدك سأكون انا منهم ولكن ...... ارحموني.

ابي الحبيب .... بعد نجاحي وانتقالي اخيرا الي العام الثالث، وبعد مضي اربعة اعوام جامعية على دراسة الهندسة ... افكر كثيرا فيأكلني التفكير ثم اقرر ... فأذهب اليها وكلي عزم وإصرار ... وعندما اقف على أعتاب باب غرفتها وأنظر في عينيها أنسى كل ما حفظته من حوار، فأجدني أتراجع ولا اقوى على المواجهة... أنها أمي فكيف بالله عليك بعد كل هذه التضحيات أن أخذلها.

لن انكر ابي ان تجربة الرسوب كانت لها بعض الإيجابيات ... فلقد زادت من اواصر علاقتي بإحدى زميلاتي في الدفعة اسمها غادة مثلي، كما انها راسبة ايضا مثلي ... فرب ضارة نافعة ... وهكذا اخيرا اصبح لي صديقة في كليتي نحكي اسرارنا سويا ونندب حظنا أيضآ سويآ، و زي ما قالت لي امي هذا الصباح اتلم المتعوس على خايب الرجا ... جميل هذا الشعور ابي.

تحياتي أبي .. ابلغك بأنه لا تزال اختي راندا في حالة رفض تام لكل العرسان الذين تقدموا لها... بحجة انها تريد شخصاً ملتزم دينيا ... يزيدها دينا ... وكأننا من قوم ابو لهب ... وبما انني أعتقد أنك في حاجة إلي بعض الفكاهة لأنني في الفترة الأخيرة كانت كل قصصي كئيبة ومملة، لذا سأقص عليك بعض من نوادرها مع العرسان هذا الشهر ...

الأسبوع الماضي تقدم لها عريس متدين كما قالوا لنا ... حددت أمي موعد للزيارة في الساعة السادسة مساء، جاء الشاب مصاحبآ أمه في تمام السادسة كما الأتفاق المسبق. تفاجئني راندا برفضها الخروج لهم ومقابلتهم متحججة بأن العريس وصل بعد صلاة المغرب مباشرة ... ثم بدأت تسأل امي لماذا لم يصلي المغرب في المسجد القريب من المنزل قبل ان يتنيل على عينه ويجيلنا !!!!

بصراحة يا ابي الراجل ده شكل امه بتحبه ..

ثم أضافت وكأنها قد أكتشفت سر الذرة، بالتأكيد هذا الشخص مدعي التدين وليس متدين عن حق ... حاولت أمي أن تقعنها أن الشاب إلتزم بموعده معها وهي التي حددت الموعد ولكن هيهات ان تفهم الشيخة راندا هذا.

أما عن حسين ... الشاب الذي رفضته الأسبوع قبل الماضي فقد كان هذاا لسبب أخر ... وبصراحة هو سبب جوهري فعلا ... فقد اختبرته راندا في صالون منزلنا المذهب، اه والله اختبرته ... امسكت المصحف في يدها وبدأت تسأله كم جزء تحفظ من القرآن الكريم ... ففؤجت بأنه يحفظ فقط خمسة اجزاء على الرغم انها شخصيآ لا تحفظ سوى الفاتحة وبعض السور الصغار التى نستخدمها نحن عادة في الصلاة.

وعندما واجهتها بذلك قالت أني أريد من يزيدني دينآ يا فلحوسه ... عندها حق تصدق، انا ايه اللي حشرني بينها وبين امي التي كان صراخها يسمعه الجيران وهو تقول بصوت عالي ياربي هتجنونني. يعني مين ده اللي هييجي يتجوز واحدة لابسة خيمة غير ما يكون متدين، ثم تختم بأن تصيح قائلة: انتوا اكيد عايزين تشلوني دي بقت حاجة تقرف ... ورزعت باب غرفتها وراها.

هذا المشهد ابي اضحكني كثيرا فقد ذكرني بفيلم عائلة زيزي.

ابي .. رجااااء خاص ... ليتك تخبر امي ان تكف عن الأحتفال بيوم مولدي، فإصرراها على الاحتفال بيوم مولدي دونآ عن باقي اخوتي يأتي معي بنتيجة عكسية ... فهو يذكرني بأنك توفيت في هذا اليوم وبأنه لو أنك لم تذهب لأحضار كيك عيد ميلادي لم تكن لتموت بحادث بسيارتك ... و بأني شؤم ونحس ... ليتها ترحمني وتكف عن التظاهر بأن هذا اليوم يوم عادي لعلني انسى ... فلتقل لها لننسى معا هذا اليوم ... فلا نحتفل بيوم مولدي ولا نقيم سرادق العزاء لذكرى وفاتك.

ابي الحبيب ... ابشر ابي فقد اكتشفنا اخيرا ان مشاهدة التلفاز عمل اخرق من رجس الشيطان الرجيم ... فالشيخة راندا قد افتت بذلك وقررت مقاطعة مشاهدة التلفاز ... الله ما قوي ايمانها وامنحنا الصبر والسلوان.... . ولذا قررت انا المدعوة غادة اختها المصون اليوم ان أنقل جهاز التلفاز الي غرفتي لأخبئه عندى، خوفا من ان اصحو يوما فلا اجد الشيطان الأعظم.

خبر سار يا ابي ... دعاء اختي المسماة بأخرالعنقود ... ها قد سلكت نفس الدرب ولحقت بنا في نادي كلية الهندسة، وهكذا سيكون لديك ثلاث مهندسات ومحامي ... كدة نقدر نفتح بقالة هندسية محصلتش مع ضمان خروجنا بكفالة.

ابي الحبيب ... ابشرك خيرا فلقد نجحت واتخرجت وها أنا أصبحت مهندسة كما تريد انت وكما تريد امي وكما يريد الجيران وكما يريد عم عزوز البقال ... مش مهم انا عايز ايه ... بس المهم انكوا انبسطتم وحققتم المراد ... ابي كم احتاج وجودك معي الأن ... احتاج إلي فخرك وأحتفاءك بي ... على الرغم من ان نجاحي ليس منسوباً لي ولكنه نجاح لأمي، فلولا دعمها وتحفيزها الدائم لي ونظرات الغضب التي كانت تتطاير من عينيها عند حدوث اي تقصير مني ... لولا كل هذا لكنت الان لازالت اتعثر في كتبي.

شكرًا امي فقد صنعت لي مستقبلآ باهرآ رغم انفي.

ابي ... علمتني اخفقاتي في الحياة ونجاحاتي بعدها وعلمنى يتمي من بعد رحيلك وانا لا زالت في عمر الطفولة واحتضان امي لي، ان الحياة بها بعض التقلبات ... واعتقد ان هذا يعتبر امر صحي، فاذا مشت حياتي على وتيرة واحدة فذلك لا يعني سوى شىء واحد وهو اني ميتة ... فحياتي لابد ان تكون مثل رسم تخطيط القلب.

(يتبع)

غادة بدر