#ابراهيم_حمدى يكتب: وداعاً ..أحمد حلاوة (3)

كتب بواسطة: إبرهيم حمدى في . القسم انسانيات

 

 إضعط هنا لقراءة الجزء السابق

أعرف أننى كبرت ، وأن شعيرات بيض تسللوا إلى جنبات رأسي على حين غفلة من العمر ، وتغيّرت نظرتى لأمور كثيرة ، حتى مشاعري بات التعبير عنها شيء صعب توقعُه ، فلا إستغراب إذا وجدتنى فى لحظات الفرح دامعاً ، وفى لحظات الأسي صامتاً كحجر فرعوني قديم ، شيء منحوت على وجه بشر لا يُعبّر عن شيء .
إذ يَفسد الشعور إذا زاحمته فلسفة تطرح سؤال بلا إجابة ، ويا أكثر الأسئلة التى باتت بلا إجابة عندى "خالو" ، أحداث كثيرة مرت مذ هاتفني أخى ليخبرني بخبر وفاتك حتى إستقمت أمام جسدك الراقد بلا روح واقفاً ، أرفع الغطآء عن وجهك وأنظر إليك لأجد وجهك أكثر بياضاً وأكثر صمتاً .
زاحمتنى فلسفة أفسدت علىّ كل مشاعري ، فلسفة تسأل عن معنى الروح وأسرارها ، عن معنى الفقد وآلامه ، عن عقيدة الموت فى كل شريعة ، عن ما بعد الموت ، عن الحساب عن البعث وعن النشور، عن عالم كبير من الأسرار ، وعن غاية المراد من هذه الحياة !!
أقف أمامك الآن "خالو" وكلانا فى أقصي نقطة بُعد عن الآخر ، فأنت فى عالم غير العالم الذي عاهدناه ، عالم غيبيّ لا نعرف عنه سوى ما نعتقد فيه دينياً أنه الحقيقة، أما أنا ففى عالم آخر من الأسئلة التى تُعكّر صفو الحقيقة في حلقي ،
لماذا الحياة يا إلهي ؟ وما الغرض منها ؟
إذا كان غرض الخلق أن يعبدوك سبحانك ، فلما أثقلتنا الحياة بهموم الكد والرزق حتى شغلتنا عنك ؟
وإذا كان الموت قدرك المحتوم لجميع خلقك سبحانك ، فلماذا الحب والوجد والسُهد .. ووجع القلب ؟
وإذا كان لا مفر من نهاية كهذه النهاية ، فما قيمة أى معنى ناضلنا لأجله يوماً ما،إذا كنا سنتركه ونرحل ؟
وإذا كنا بهكذا بساطة نُعرَّي ونُغسَّل ويحملنا الناس ويضعونا كيف شاؤوا . فما معنى الستر ، وضمانه ؟
وإذا كان الحساب سر من أسرار عدلك مولاي ، فلماذا تتغير وجوه ، وتتبدل أحوال ، ويُعجّل بالحساب ؟

أسئلة تُكتب ، وأخرى لا تُكتب
أسئلة تبوح ، ونيفٌ غيرها لا يُباح .

ما الحقيقة مولاي ؟
فى ديننا رجالات دين لهم عمم ولحى يخبروننا عن إله يتلطف بمن هم على جادة الطريق ، ويرحم التائبين العائدين المتخليين عن كل شيء والمقبلين عليه سبحانه، ويقبل الباكين الذين تقطّعت قلوبهم ندماً على ما إقترفوا من الإثم ، ويجزى الصابرين على البلاءات التى حصلوا عليها فى سبيل دينه جزاءاً كبيراً بغير حساب ، ويستدلون على ذلك بقولك المقدّس " وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ" .. قائلين : هؤلاء هم الناجون .
بيد أن هناك شطر آخر من عبادك لا يعرف عنك سوى الرحمة والعفو ، عباداً خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ، لم يتعمدوا يوماً عصيانك تبجحاً ولا إستخفافاً بأمرك ، لسان حالهم " رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا " ، لم يستقيموا على الجادة كهؤلاء الذين تزدحم حكايات ذوي العمم واللحي بهم ، لم يعبدوك رهبة منك وخوفاً ، بل عبدوك بالحب والبداهة ، وآمنوا بك إيمان العوام ، ولم يظنوا فيك يوماً إلا خيراً . فهل مثلي ومثلهم ياربي ستكتبنا عندك ممن أحسنوا الطريق إليك أم ممن ضلوا عنك ؟. وهل هؤلاء ياربي ممن شملهم لطفك ورحمتك أم ممن سبق عليهم القول فحق لهم سخطك وعذابك ؟
يقولون عنك ربنا ، أنه لا يصح معك سبحانك قول : كيف ، ولماذا ؟
ويستدلون على ذلك بقولك المقدّس : " لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ " ، ويخوفوننا من التفكير فيما لم يفكروا هم فيه من قبل ، ويظنون أن " كيف ، ولماذا ؟ " مؤديتان إلى طريق الضلال ، فما شخص سألهما إلا وضلت وجهته ، وشرد في الفيافي ، يعتقدون أن التفكير والسؤال يتضادان مع الإيمان والإعتقاد ، ولا يكفون عن الإستشهاد بقولك المقدّس " أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ "
وكأن الآية الكريمة هى الرد على أى "كيف ولماذا " ؟! .. وكأنهم حكموا أن كل سؤال بدايته "كيف ولماذا " لن يوصل إليك .. فهل تعاقبني يا إلهي إذا قلت أننى لا أعتقد فى قولهم هذا ؟ ..
فالسؤال عندى هو برهان الرغبة فى الوصول ،
فهل يسأل التائه إلا لكى يصل ؟
وهل يُعقل أن يسأل التائه تنطعاً وتلذذاً بحالة التيه التي يحياها ؟
أم هل يُصدق أن التائه يسأل عن عنوان بيت يعرفه مسبقاً .. لكنه فقط يسأل لكي يختبر معرفة الناس من حوله ؟

إذا كنا نعتقد يا إلهي بقولك المقدّس " فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ " إذن فمن إيماننا بك سبحانك أن كل سؤال مؤدٍ إليك ، وكل تفكّر موصل إليك ، فنهاية كل شيء .. لن نجد سواك .. ثَم وجه الله .. ثَم الحكمة والحقيقة .

مساكينٌ مشايخنا ، إذ خلطوا بين من يسألك سبحانك عن "كيف ولماذا" تنكّراً لفعلك وإتهاماً لقدرك سبحانك، وبين من يسأل ولسان حاله : "ما الحكمة إلهي ؟ ، وما المقصود مولاي ؟، دلني علي مرادك خالقي ؟".

يربت أحدهم علي كتفي يعزيني .. أفيق من شرودي وأجد المسجد وقد إمتلأت بطنه فتمدد بالمصلين ليفترشوا الأرض أمام بابه ، وأنا كما أنا ، أجلس وحدي بجوار جسدك "خالو" ، أسند رأسي إلي ذلك التابوت الذي إئتمنوه علي جسدك ، هذا الجسد الذى إنتهي بنهايتك ، أصبح الآن قميص لا يصلح لسواك ، لا تقلق ، فلن ينفض جمعنا اليوم حتى نطمئن عليه وقد واريناه التراب آمناً مطمئناً وودعناه للأبد .. لا تقلق ،. فقميصك لن يرتديه سواك .

وسرعان ما تزاحمنى أسئلة يملء رأسي طنينها .. وأجدنى فى كل مرة أذهب إلى ما هو أبعد !!

عجيبٌ هو أمر الروح إلهي ، أى سر تحويه هذه الروح !!
ما كنهها ؟ ما شكلها ؟ ما وصفها ؟ وما مصيرها ؟
كيف بشيء إذا دخل هذا الجسد الخواء جعل منه إنساناً له وجدان وشعور وأحلام وأخلاق وطموحات وأشجان وذكريات وحكاية يتفرد بها بين الناس .
وإذا نُزعت منه فى أى لحظة .. عاد كأن لم يكن .. خواء .. لولا تكريمك له لكان كعجل السامري " عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ".

هل إذن هذه الروح هي أنا ؟
كيف تكون أنا .. وهى نفخة منك سبحانك ؟
وما معنى منك رباه ؟ من إذنك أم من ذاتك ؟
ومن فينا تُري مسئول عن الآخر إلهي ؟ أنا أم هي ؟
وهل كلانا الآن .. ميت ؟ أم أن الروح لا تموت !!

وإن كانت لا تموت ..
فهل هى التى تُحاسب وتُكرّم .. وهى هى التى تُهان وتُعذّب ؟

يبدو أن كل شيء فينا غير ملموس .. هو حقيقتنا التى لا نفهمها !!
فالصوت ما هو ؟
البصر ما هو ؟
السمع ما هو ؟
الإحساس ما هو ؟
الشعور ما هو ؟ .. الوجع ، النشوة ، الرغبة .. إلخ

ما تعريف هذه الأشياء كلها .. وما حقيقتها ؟
إذ فى لحظة ما .. كلهم يعلنوا في صمت عجيب .. لسنا ملكك ، سنعصي أمرك ، لن نطيعك .
هل لك سلطان على أيّ منهم "خالو" الآن .. فتأمره لأشعر بك .. أشعر أنك أنت لا زلت أنت .

لماذا أشعر أن الموت يغير الأشخاص ... ؟
أقف أمام جسدك الممدود على طاولة الغُسل والرجال يصبون عليك المآء الدافيء وبعض الطيب والمسك ، وأنا أنظر لوجهك ، وجه يشبهك لكنه لا يُعبر الآن عنك ،حتى هذه الإنحناءه التى كانت فى كفك الأيمن بين الإبهام والسبابة أنظر إليها الآن فأجدها باقية كما هى ، لكأن كل شيء فيك إستقام مستسلماً لجلال الموت إلا كفك الأيمن بقي علي حاله ، بعضه يحتضن بعضه . راودتنى نفسي أن أتجه نحو كفك أقبله فى وداع طويل ،

لكن هيبة الموت وهالة الغُسل ووجه الرجال بالدموع المحتبسة فى صدورهم وصوت النسآء في الخارج تنادي علي نخلة البيت الغائبة ، كل هذا أكد لي أن جلال الموت قد قضي علي كل ما فيك ، وما بقي شيء من هذا الجسد يدل عليك ،هذا الجسد أمانة إستعرتها من الخالق سبحانه على مراده هو وحده ، وها أنت ترحل ونحن الآن مسؤلون عن رد الأمانة للخالق سبحانه .

غريبٌ هو الإنسان .. فى كل عصر كان يبحث عن ..الصورة
وكان فتنة الناس الكبري في إيمانهم بالله هو رؤية ذات الله سبحانه .

فقالت اليهود لموسي عليه السلام "اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ " أى إجعل لنا إلهاً مجسداً نراه كما للآخرين آلهة مجسدة فى تماثيل ، وقال موسي عليه السلام نفسه وهو يخاطبك سبحانك " رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ " ، وجآءت المسيحية السمحه فتجلّت عند أهلها الصِوَر ، فلا يخلي بيت من بيوت معتنقيها اليوم إلا وفيه صورة تجسد شيء قديم له قداسة ومعنى .

حتى الإسلام .. لم يهرب متفلتاً من حب الإنسان وشغفه بالصورة ، فجعل رؤية وجه الإله سبحانه ممكنه ، لكن ليس في الدنيا .. بل فى الجنة ، وجعل ذلك هو المقام الأعلي فى الجنة ، وهو منزلة لن يحظي بها إلا من تعبّد لله حق العبادة.

دآئماً يبحث الإنسان عن صورة تُجسد له الآخر ليحاوره ، ليتواصل معه ، ليبثه شيئاً من مشاعره ، من حبه ، من طقوسه ، من أتراحه ومن أفراحه ،

ولا أدري ما السبب ورآء هذا التعلق بالصورة .. رغم أن الصورة فانية ، ولا تعبر عن صاحبها طوال الوقت .
فكم من أجدادنا أحببناهم لسيرتهم دون رؤية العين ، وكم من رجالات تاريخنا القديم من تعلقنا به أكثر من الأحياء رغم أننا لم نره قط .

إننا نحب فيهم أشيآء أخري غير الصورة ، وهذه الأشياء التى نحبها لم تمت بموت صاحبها ، فيها سر آخر من أسرار الروح والخلود . سر يفتح ألف سؤال وألف كيف وكيف !!

أوااااااه رباه ..
من يشيح هذا الطنين عن رأسي ..

لماذا لا أبكي في صمت ، وأحزن فى صمت كهؤلاء الناس ..
ألهذا الحد نثر موتك كل أغبرة السؤال في عيني !!

يتحامل رجال بلدتنا ويتبادلون حمل جسدك على أكتافهم .. يلتوى بنا الطريق ويضيق .. يبدو فى الأفق مبان قآئمة .. تصطف في إنتظار الضيف الجديد .. تنظر إلينا نظرة سخرية من وهم الدنيا الذى نتكابل عليه .. نقف أمام المقابر .. هذه الأبنية القائمة فى صمت مخيف ، تلك التى لا تعبر إلا عن الحقيقة الوحيدة فى هذه الدار .. على وصف الرافعي رحمه الله .

الناس حولي صلاتهم ودعاؤهم البكآء .. أما أنا يدندن فى رأسي قولٌ قديم ..لأبو العلاء المعرّي .

صاح هذي قبورنا تملأ الرُحبَ فأين القبور من عهد عاد
خفف الوطء ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد
تعبٌ كلها الحياة فما أعجب إلا من راغبٍ في ازدياد
إنّ حزناً في ساعة الموت أضعاف سرورٍ في ساعة الميلاد

وهكذا "خالو" .. زاحمتنى فلسفة أفسدت علىّ كل مشاعري !!
أفيق منها متأخراً .

أفيق وباب القبر يُغلق عليك .. وأصوات تضج فى القبور .. وداعاً للأبد .. وداعاً وإلى اللقاء ..
وداعاً أحمد حلاوة .. والسلام

إبراهيم حمدى