#غادة_بدر تكتب: رسائل بلا الوان (1)

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم انسانيات

 

تخيل نفسك قلم رصاص ... وكل ما خطك يوحش دور في أي مكان عن براية ... أيوة براية..

ما تبصليش كدة وأقعد ابري في نفسك لغاية ما تحس أن خطك في الدنيا هيبقى أخر حلاوة ... وأنك ممكن تسيب بصمة مختلفة عن الأخرين. وما تفكرش ولو للحظة أن البري ده هيخلص عليك وهتكون فيه نهايتك، لأنك لو فكرت لحظة مش هتبري تاني ... فكر بس أنك هتترك في الدنيا ذكرى جميلة وهي كل ما كتبته أنت بخط جميل منمق.

أعبث في بعض الذكريات القديمة فأجدني اتعثر في صندوق صغير مملوء بقصاصات من الورق المطوي ... قصاصات منمقة مكتوبة بخط جميل. قصاصات من الماضي البعيد ... كل قصاصة منها تحمل في طياتها قصة لا زالت حية في قلبي.

اعتدت منذ زمن لا بأس به ... ومنذ ان رحل عنا ابي العزيز ... ان اكتب وأخط له رسائل ... كانت في بعض الأحيان رسائل مبللة بالدموع وفي أحيان أخرى رسائل تملؤها نشوة الفرح ..
في بداية كتابتي الرسائل لأبي كنت احزن كثيرا لأنني كنت احسب ان رسائلي لا تلقى اهتماما منه، فرسائلي دائما كانت من طرف واحد ... طرفي انا ... فكيف لطفلة في التاسعة من عمرها ان تستوعب بعقلها الصغير أن أبيها، الذي هو حي يرزق في السماء. كما اخبروها، لايجد الوقت ليرد على رسائلها.

ولكنني بعد ان كبرت ونمت مداركي ادركت ان ابي كان يرسل لي الردود على هيئة اشارات وعلامات توجهني وتهديني الي بدايات الطريق ... فأجد ابواب مغلقة قد تفتحت لي دون أن أدري.

قررت اليوم أصدقائي ان أفرج عن هذه الرسائل (قصاصاتي) ... لا لشىء سوى ان يعلم الاحياء منا ما يحتاجه الأبناء من قصاصات.

أبي العزيز ... اعلم كل العلم ان رحيلك كان مفاجأة قاسية على الكل ... وبالأخص انا ... فلم أكن قد أستعددت لها بعد ... فلم ارتو من حنانك أو حتى أشبع من أحضانك ... فلتعد أبي اذا كان ذلك في الإمكان.

ابي العزيز ... ها قد مر على وفاتك اسبوع واحد وعدت إلي مدرستي مرة اخرى حزينة بدموع حبيسة، ولأول مرة أتذوق حضن مدرستي في المدرسة (ميس رقية) ... فلقد شعرت الميس بمدى أفتقادي لحضنك الدافئ فأعطتني حضنآ، ومن بعدها أحاطتني بجل إهتمامها– أبي لا أريد شفقة من أحد كل ما أريده هو أنت فقط ... فعد.

ابي العزيز ... اليوم حصلت على الشهادة الابتدائية، وكما عاهدتني دائما تفوقت على كل زملاء المدرسة .... وانا في انتظار البسكليته التي وعدتني بها.

ابي العزيز ... اليوم اول يوم دراسي في المرحلة الإعدادية لقد كبرت يا ابي ... كبرت إلي درجة أن الحزن ملأني عندما ألتففت خلفي فوجدت صديقتي هناء تمسك في يد حقيبة المدرسة الجديدة، وفي اليد الاخرى تمسك بيد ابيها ليدخلها الصف ويوصي عليها المدرسين.

ابي العزيز ... احتجت إليك كثيرا اليوم ... فقد عاقبتني مدرسة اللغة الانجليزية وطلبت مني ان تلتقي بولي امري ... لا تخف قطعآ لم اخبر أمي، الست انت ولي امري ... أبي ... لماذا تجعلني انتظر ثم انتظر ثم انتظر ... لقد سأمت الإنتظار.

ابي العزيز ... مرة اخرى تعاقبني مدرسة اللغة الانجليزية، ألتمس لها العذر فهي لا تدري ومن لا يدري فلا لوم ولا حرج عليه. كما انها لا تعلم انك انت من كنت تدرس لي مادة اللغة الإنجليزية، وهي لا تدري ايضا أنني لا زالت في حالة انتظار لقدومك لتدرسني مرة أخرى ... فهل سيطول أنتظاري ؟؟

ابي العزيز ... اليوم وجدت من صديقاتي من ستشاركني هموم اليتم والحرمان ... فأنت لا تعلم أن اليتم له طعم يختلف عن أي هم ... فلقد مات والد صديقتي سمر فمارست معها امومتي وأخذتها بين احضاني، وظللنا نبكي يتمنا سويآ حتى شق نور الصباح عتمة قلوبنا.

ابي العزيز ... لقد كبرت يا ابي ... نعم كبرت أكثر مما تتصور ... فلقد ذهبنا هذا العام الي المصيف بشقة المعمورة كالمعتاد، ولأول مرة يطاردني الاولاد ويغازلني الشباب ... نعم فلقد اصبحت أبنتك اليوم شابة جميلة مراهقة.

ابي العزيز ... اليوم احتاجك اليوم في مشورة هامة لحياتي، فلقد اجتزت الثانوية العامة بمجموع كبير تستخسره امي وابخسه أنا ... أبي ... مشورتك مصباح لحياتي المستقبلية القادمة .. هل الهندسة هى طريقي ام انه طريقك انت؟

ابي العزيز ... لا زالت حائرة فمن انا ... هل انا غادة ... ام المهندسة غادة ... في انتظار اجاباتك ارجوك سارع بالرد.

ابي العزيز ... أعلم تماما انك انت الشخص الوحيد في هذا العالم الذي تتمنى ان تراني افضل منك ولذا سأختار حياتي بملىء ارادتي ... فلن يكون احدا وصيا على تصرقاتي حتى ان كانت امي ذات التضحيات الرائعة.

ابي العزيز ... بأختصار وبدون الدخول في التفاصيل سألتحق بكلية الهندسة.

ابي العزيز... انا اليوم في السنة الثانية بكلية هندسة ... اليوم تأكدت انني اختلف عن الركب وسأكون خصما عنيدا لكثيرين غيري ... فقد كنت في المحاضرة والتففت حولي فوجدت كل رؤس زميلاتي وقد غطت بحجاب الرأس ... جائتني احدى الزميلات وفي يدها حجاب ونظرة الشفقة تطل من عينيها ... رميته ارضا ونظرت في عينيها ورأسي مرفوع ثم صرخت فيها بصوت عالي ... ليس مهمًا ما تضعين على رأسك بل المهم ماذا تضعين في رأسك با صديقتي.

أبي العزيز ... هل سأدخل الجنة أم النار؟؟ وهل أنت في الجنة أم النار ؟ ومن سيدخل الجنة ومن سيدخل النار؟

ابي العزيز .. هل تذكر صديقتي سمر ... ان امها اليوم ستتزوج ... اردت ان اخبرك لتعلم كم هي عظيمة ورائعة ... العظيمة والرائعة هي امي قطعآ وليست أم سمر - فلا احد مثل أمي او يضاهيها حنانا وتضحية.

ابي العزيز ... أحببت أن تكون أول من يعرف ... اختي راندا اليوم ارتدت الخمار ... هل تعلم ابي ماهو الخمار ؟ ... بالتأكيد لا فلقد توفيت في زمن لم يكن في مصر امرأة تلبس الحجاب اساسآ ... فكيف لك ان تعرف الخمار؟

ابي العزيز ... لا اقوى على التركيز في استذكار دروسي فصراخ امي مع اختي يشتت ذهني ... فراندا تريد ان ترتدي النقاب وامي ستصاب بجلطة وتريد لها ان ترتدي ثوب العرس اولا ثم لترتدي ما تشاء في بيت زوجها.

ابي العزيز ... لقد نجح اخي حماده في الثانوية العامة بمجموع مخزي ... تصدق أبي ... 52% ... ابي اسفة فانا اشعر بالمسؤولية امامك ... فكيف لم انتبه له؟؟ اسفة مرة اخرى فأخي لن يستطيع اكمال مسيرتك.

ابي العزيز ... احببت ان اخبرك ان امي وانا واخوتي قررنا ان يدخل اخي كلية حقوق السودان بالمصاريف ... نعم نعلم تماما ان المصاريف سترهقنا ولكن ما باليد حيلة ... فنحن البنات نرفض تماما ان نتخرج جميعآ من كلية الهندسة بينما يتخرج أخونا الوحيد أمتدادك في الحياة بشهادة متوسطة.

(يتبع)

غادة بدر

050117 article1 photo