#ابراهيم_حمدى يكتب: وداعاً ..أحمد حلاوة (2)

كتب بواسطة: إبرهيم حمدى في . القسم انسانيات

 

 إضعط هنا لقراءة الجزء السابق

منذ أعوام خمس فائته وأنا ألمح فى وجهك تغييرا يشبه هذا التغيير الذي ينسحب على وجه أمي ، وأنكره ، وأتجاهله ،ولا أريد أن أفكر فيه ، لا أحب أن أنتبه إليه ، سأتألم كثيراً لو وقفت أمامه ، والحقيقة أننى أتألم بتجاهله أضعاف ما أتألمه بمواجهته .

قاسية هى الحياة "خالو" ، يبقي فيها أحبابنا وتاج العافية فوق رؤوسهم يزينهم ونحن صغار لا ندرك من الحياة سوى طموحاتنا الصغيرة من لعب ومرح وكل ما يشغل عقول الصغار ، حتى إذا كبرنا وبدأنا ندرك حاجتنا لهم ، حاجتنا للأب وللأم وللعم وللخال وللأخ ، نرى تاج العافية وقد إنسحب من على رؤسهم ، ورأينا العافية تتساقط عنهم شيئاً فشيئاً ، يكادوا يستترون أمامنا ببعض التعافي وإدعاء التشافي .. ونحن ندّعي أمامهم أننا نصدقهم ، وكلانا يعرف أن شيئاً ما تغير ، ما عادت العافية على حالها ، وما عاد الوجه الأحمر المملوء يشرق كعادته ، وبتنا ننظر إليكم أكثر مما سبق ، نحفظ الملامح ، وندقق في التفاصيل ، ونمسك بما تبقي منكم قبل أن يحول بيننا وبينكم ، الفراق الطويل !!

ذات يوم رأيتك من بعيد جالساً وسط جمع من عائلتنا ، فأسرعت إليك أحتضك من ظهرك والشوق يملؤني ، فإذ بك تمسك يدي بكفيك الذي تخلت كل أعصابها عنك فما عاد الكف سوي بعض شحم ولحم مهترئان ، كان كف ضعيف لرجل قوي ، وكان كلامك أكثر إيلاماً لي ، حين أخبرتني أن لا تضغط على صدري فأنا ما عدت أحتمل ذلك . كفكفت عنك يدي وربت على كتفيك وقبّلت رأسك وأهديتك بسمة زائفة وإنصرفت ، إنصرفت عن كل مظاهر البهجة التى كانت فى المناسبة التى إجتمعنا بسببها ، إنصرفت إلي خالو أحمد ، الباشا كما كنا نناديه دوماً .

خالو أحمد الذى كنا نصطف خلفه فى كل المواقف ، الذى لا نعرف كم نحن سعداء أم حزاني إلا بقدر وقع هاتين الكلمتين على ملامح وجهه هو ، فإن كان سعيداً كنا سعدآء ، وإن حزن الباشا فكلنا حزين ، لازلت أذكر يوم مات خالى الأكبر توقف الجثمان ، وتوقف موكب الجنازة كله على الطريق السريع، وتوقفت أبصارنا ترقب الباشا الذي أخبرنا أنه قادم ولابد أن ننتظره ، جئت "خالو" فى لحاف من الصمت لم تصافح أحد ولم تلتفت لأحد ، أشرت للسيارة التى بها جثمان خالو فأفسح الرجال لك المكان وجاورته وتحرك الجثمان حين شعر بك ، وتحرك الموكب ، وتحركنا جميعا نحو المقابر ، الكل يمسك دمعة مكبوتة على أهدابه ، الكل يبدو متماسكاً ، حتى نطقت أنت ، لحظة ملت على خالو الأكبر تمسح على جسدة وتناديه فى رقة وحنان : مالك يا أخويا ؟ مالك يا حبيبي ؟ تعبت يا أبو إسلام ؟ طمنى عنك يا حبيبي ؟ رد على يا أخويا .......

تدحرجت من عيوننا الدمعات التى كانت تستحي أن تبدي أى تصرف إلا بعدما تأذن لها أنت ، فبكى الكبير والصغير ، منهم من يبكي لفراق خالو الأكبر ، ومنهم من كان يبكي بكاءك عليه ..

اليوم بات مرضك لا يخفي على أحد ، الكل يعرف أن الباشا مريض ، وأن الجسد العفيّ قد خانه ، فبعدما كان يستتر خلفه بقوته وعافيته ، اليوم تخلي عنه جسده ، فما عاد يحمله أو يتحمله ، وصار الوجع يختر ما شآء من مواضع الجسد فيؤلمه من هنا ومن هناك ، وصار الباشا لا يدري أين تكمن راحته ، هل فى الجلوس أم فى الرقود أم فى الوقوف ، في اليقظة أم فى النوم ، فى البيت أم فى العمل ، وسط الناس أم وحده منفرداً ، وصار محبوك فى حيرة من أمرهم ، لا يدرون أيجلسون يسامروك ويحفظوا ما بقي من ملامحك الشاحبه أم يتركوك ترتاح قليلاً ، فمجرد التنفس يؤلمك فما بالك ببندول حوار يروح ويغدو بينك وبينهم .

فى كل مرة كنت أزور فيها المرض الجاسم على صدرك ، كنت أعود بحال أسوء من سابقه ، كنت أنظر للشوارع التى ستفتقدك ، وبيتك الكبير الذي لن تدخله ، والمعنى الكبير الذي سنفتقده جميعاً لو لم تكن بيننا ، فى كل مرة كنت أرى شخصاً يُعبر لك عن حبه بشكل يخصه هو وحده ، فلم أنسي ذلك اليوم الذى زرتك فيه وكان الوقت متأخراً فوجدتك نائماً فإنصرفت لولدك أمازحهم وأضاحكهم ، أخدعهم ويخدعوننى ونخدع الحقيقة الجليّة ونقول لبعضنا : أنك بخير .. أنك أفضل مما قبل .. أنك تتحسن . وعندما إنتصف الليل قررت الإنصراف فدخلت غرفتك المُظلمة لأودعك قبلة على خديك فإذ بخالي الأصغر يجلس بجوار سريرك فى صمت ،يسند رأسه إليك ، يحاور فيك عشرة العمر الطويل . ولا تجيبه !!

هالنى الموقف . وإحترمت جلالته . فخالى الأصغر "جمال" له من إسمه نصيب ، فهو جمل عتيق، يتحمل فى صمت ، ويتألم فى صمت ، ويبوح فى صمت . إنصرفت ، ولا أدري على أيكما أحزن ، على الباشا الذى ما عاد بيننا منه سوى شبح يشبهه صوتاً وصورة وسلوكاً أم على خالو الأصغر ، صديقك القديم الذى فرضت عليكما الحياة أن تكونا شركاء فى كل الذكريات ، سافرتما معاً ، وعدتما معاً ، وسكنتما معاً ، واليوم يجلس صديقك بجوار سريرك يذكرك بما كان بينكما من ضحك قديم ولكنك لا تسمعه ، لقد خطفك المرض منا ، هدك المرض ، وهدنا معك .

كان ذلك عصر الخميس ،، حين هاتفني أخى يخبرني أن خالك أحمد توفاه الله ، نفذ القضاء ، وإسترد الخالق أمانته .

لحظات طوال حتى أستوعب ما سمعت ، الباشا مات ، لم أفكر فى أحد كما فكرت فى أمي لحظتها ، من بقي لأمى من أحبابها ؟ ، كيف ستحتمل أمى خبر كهذا ؟ ، لازالت أمى تعاند الدنيا بضحكتها وطبعها الذى يغلبه حب الحياة ولازالت الحياة ذاتها فى كل مرة تخذلها فى حبيب من أحبابها ، ليت شعري أمي، كم بقي منكٍ حيّاً ؟!

مات الباشا يا أمى ، مات ولازال الخبر عالق علي الطريق يستحي أن يصلكم ، مات وهو ينظر إلى وجهك ليري فيه أمه التى ماتت منذ سنين وأختاه اللتين ماتا عنه ودفنوا معهما قطعة من كبده ، مات وهو حريصاً أن لا يفوّت لحظة مما تبقي له من أواخر العمر إلا وأنت أمامه ، صوتك وجوارك ووجودك كل هذا يعني له الكثير ، فأنتِ الأخت الوحيدة المتبقية له ، أنت بقايا الأم والأخوات الثلاث ، أنت الحضن الذى لن يستحي أن يرتمي فيه باكياً أو شاكياً ، أنت له الحب بلا مطالب ، والدفيء بلا مقابل ، أنت الماضي الذى أحبه معكِ ، أنت البيت الذي يسعه مهما كان عليلاً ولن يشعر فيه أنه ثقيل ، كان يحب فى كل مرة أن يطمئن أنه لازال في عينيك "رأفت الهجان" فى أناقته وحنيّته ورقته ، ولازلتِ أنتِ في عينيه "شريفة" الأخت الحنون التى تحبه بلا شرط ولا غرض ، تحبه لأنه هو ، هو الأخ والأمان والسند .

اليوم مات الباشا .. إطمأن أنه لازال بقلبك على حاله ، فإشتاق لأمه وبقية أخواته فرحل ، رحل دونما إستئذان ، إذ لا إستئذان فى موت يا أمى .. لا إستئذان فى موت .

إبراهيم حمدى