#ابراهيم_حمدى يكتب: وداعاً ..أحمد حلاوة (1)

كتب بواسطة: إبرهيم حمدى في . القسم انسانيات

 

لأجلك .. خاصمت قلمى وأوراقي . وهما لمثلي لا يُخاصمان .
لأجلك .. قررت أن لا أقول شيء لعجزى عن وصف ما ينبغي أن يُقال .
لأجلك .. زاد الصمت صمتاً ، والوجع وجعاً ، واليتم يتماً . والفقد فقداً .

فى مثل هذه المواقف يتباري أهل بلادنا فى تدوين مشاعرهم كدمعات تتساقط على السطور ، ويري الناس أن أكثر هؤلاء الكُتّاب فصاحة هو أعلاهم عويلاً وأكثرهم رثاءاً وأشدهم ظلاماً ، أما أنا فأقف هنا وحيداً ، أنا وما أشعر به .. كلانا يعي الآخر ، ويراه، ويتفهمه ، لكن لا يُحسن وصفه !!

إنها مأساة حقيقة أن تخون الحروف مهمتها فلا تجيد وصف ما نشعر به . نقف أمام هذا الإرث الكبير من الكلمات والأحرف ولا نجد فيه شيء قادر على أن ينقل عنا مشاعرنا ، فكل كلمة مهما قيلت لا ترقي لأن تصف واقع ما أشعر به ، وهنا يقف مثلي محتاراً ، هل عليه أن يأتى "برسائل الأحزان" من تراثنا العربي الكبير ويعيد نشرها اليوم علّها تصف شيء مما أعايش كبده في هذه الأيام ؟

للأسف .. لا يكفيني أن أشبّه مشاعري بمشاعر أحد ، أو أن أقتبس من شخص آخر كلماته لتصف ما أشعر به ، الأمر عندى أعقد من ذلك بكثير ، لأن حبك فى قلبي "خالو" مرّكب جداً ، متداخل جداً ، متشابك جداً ، الليلة أعترف أننى أحببتك كما لم أحب مثلك أحد .. سوى أبي .
وللحكاية وجهان .. لعملة واحدة ..،

فوجه فيها يخصني أنا ،

أنا إبن الأخت الأصغر ، أنا الذي لا يربطه بخاله المسافر دائماً سوى حب أمه المفرط له ، وسوى ما أحبه فى خاله الأوسط من : أناقته ، حضوره ، ضحكته ، حريته ، إنطلاقه ، كرمه ، مواقفه ، جاذبيته ، حنانه ، ففي الأطفال وجدان يتكون من تراكمات كثيرة كنت أنت من تراكمات وجدانى "خالو" ،

حينما كنت تجالس أبي - ذلك الرجل الكبير الذي مات عنى ولازال يجرحنى موته - كنت أنظر لكليكما لا أدري أيكما أريد أن أكون ؟!

أأكون ذلك الرجل الوقور المهيب الذي هو أبي ؟ ، أم أكون هذا الشاب المتحرر المحب للحياة المنطلق بغير بوصلة . لا يحمل لهذه الدنيا حزن ولا يلقي لها بالاً الذى هو أنت خالو ؟

كان لكليكما نظرة مختلفة تماماً عن الحياة وكيف لها أن تُعاش لكنكما لم تختلفا يوماً !!

كان أبي يستمع لشرائط الكاسيت التى كنت ترسلها له وأنت ببلاد الخليج لتبوح به بشيء مما فى صدرك فيرّق لصوتك ويبكي وهو يعض علي شفتيه رغماً عنه ، كنت حبيبه الذى إختار أن يكون آخر بيت يقطنه غير بيته هو بيتك أنت خالو .

كان لهذا كله شيء يتكون فى وجدانى ، أيكما أريد أن أكون ؟

كان أبي يمثل لي القيمة والجدية والفكرة والمثل العليا في كل شيء ، وكنت أنت تمثل لي الحياة ، الحياة يا "خالو" كلمة كبيرة ، كلمة تعنى أن أصيب وأن أخطىء وأن أتقبل نفسي في الحالتين ، الحياة تعنى أن لا أكون فيها قطعة قماش تناسب أطوال الناس من حولى حتى أنال رضاهم ، بل أكون أنا كما أريد ، الحياة تعنى أن أغامر وأن أضحك وأن أقضي عمري كما إخترته لنفسي وأن أتحمل وحدي ضريبته ، الحياة أن لا أنسي أصلي وأهلي وقيّمي مهما شرّقت أو غرّبت .. وكل هذا رأيته فيك .. فيك وحدك .. فأنت وحدك المختلف فى كل عائلتي .. أنت وحدك من قرر أن يكون بلا شبيه ..أن يكون عنواناً جديداً لكتابٍ جديد .. ولازال صغيرك يتصفح أوراق كتابك .. ولازلت أنت مُعلّمي .

وبغير إرادة منى كانت يد أبي تشاركها يديك .. لتشكلا معاً .. وجدانى وقناعاتى وأحلامى

فبذات القدر الذي أحببت فيه المثل العليا ،، أحببت أيضا الحياة .. تمنيت لو كنت ذاك الرجل الذي يجمع الخيرين .. أحببت أن أكونك وأن أكون أبي .. لكني خذلتكما .. فأنتما لا تتكرران !!

أما الوجه الآخر للحكاية .. فهو الوجه الذي يخصك أنت

اليوم أدرك أن شيئاً من الأنانية شاب حبي لك ،

فلم أفكر يوماً كم مر من عمرك وكم تبقي ؟ 

ولم أفكر يوماً كم فت فى عضد هذا الجسد من أمراض ؟

ولم أفكر يوماً بماذا كنت تشعر وأنت وحيد كثير السفر طوال حياتك ؟

بل لم أفكر يوماً كيف واجهت كل هذه الضغوطات المادية مبتسماً كريماً كعادتك ؟

الآن أعترف .. أننى عرفت فقط بعد موتك أنك جاوزت الخمسين من العمر منذ سنين ، لم يكن هذا كله إهمالاً منى أو تعمد تقصير .. بل لأنك عندى ركن ثابت لا يتغير .. أنت فى قلبي وروحى نخلة قائمة تظلل البيت والقلب وما بقي من العائلة .. هل فكرنا يوماً كم عمر النخلة ؟ وهل إنتظرنا من نخيل بلادنا شيء سوى العطآء والظل ؟ وكنت أنت كلاهما .. وكنت أنا لا أراك إلا نخلة قائمة على رأس البيت .. هى دليل السائلين عن البيت الكبير .. 

هنا بيت يسكنه رجل ليس ككل الرجال .. هنا أحمد حلاوة شامخاً .. هنا الظل والسند .. هنا الحبيب الحنون .. هنا جابر الخواطر .. هنا الكريم الذي لا يضام عنده أحد .. هنا الضحكة والأنس .. هنا ذكريات طفولتي وبراءتى وأيامي الأولي .. تري حبيبي إن بترت أو قطعت أو ذبلت هذه النخلة .. كيف سنستدل نحن على البيت الكبير ؟ .. ما عاد لهذا البيت من معنى سوى الشرود ، والبرود ، والسكوت .. فقد مات الباشا !!

نعم .. ربما كنت أنانياً .. ولكنى كنت واحداً يقترب منك على خجل بين جموع المحبين ، كنت أراك على فترات طوال ، كنت أحب أن أحفظ ملامحك ، صوتك ،أحب أن لا أختلف معك أبداً ، أريد أن أميل على يديك أقبّلها كلما رأيتك غير أنك مثل أبي رحمه الله كنت لا تحب هذا أبداً ، كنت أحب أن أجلس إليك ، فقط أجلس إليك ، أضحك معك ، أمازحك ، لا أقرر بأى حديث أبدأ ، بل أترك لك المقام تختار من الحديث ما شئت وأنا لك تابع .. فيا مرحى بحبيب يسامره حبيبه .

كنت أفسح المجال لإخوتى وغيرهم كي ينالوا من نهر حنانك وكرمك ما يستحقون وزيادة ، وكنت كعادتي أحب في صمت ، وأشعر في صمت ، وأفتقد في صمت ، فكنت أراك من بعيد ولا أثقل عليك .

الآن أشعر بفضول كبير يدفعنى أن أجلس معك وأسألك عن ما يخالجني الآن ،

أسألك ماذا تعنى لك الثلاثينيات من العمر ؟ وكيف شعرت وأنت فى الأربعينيات ؟ وكيف تصف لي الحياة ؟ وهل آلمك إنسحاب شعيرات بيض على سحائب رأسك ؟ وكيف تقبّلت أن أبناءك كبروا فجأة وقرر كل واحد منهم أن يكون مستقلاً ؟ كيف عاندت روتينية الأيام وتكرارها وشعور الأب أنه آلة سحب نقدي لا أكثر؟ كيف قاومت كل من قال لك : لقد ضيعت من بيديك فرصة كذا وكذا وكذا ؟

الآن أشعر بشغف يملؤنى تجاهك ويؤكد لي أن لازال بيننا حديث يطول لم ينتهي بعد .. !!

أرأيت "خالو" الحبيب أنهما وجهان لعملة واحدة ، هذه العملة هى وجدانى أنا ، وتكويني أنا ، وشخصيتي أنا .

ابراهيم حمدى