#سوزان_نادى تكتب: ماذا لو كان الطعام بالمجان؟

كتب بواسطة: سوزان نادى في . القسم انسانيات

 

فى مسرحية "الطعام لكل فم" ... وهى رائعة من روائع مؤلفات توفيق الحكيم ... يحكى فيها عن رجل يدعى حمدى وزوجته سميرة، اللذان يقطنان فى بيت بسيط.

حمدى يعمل موظف فى عمل حكومى روتينى، و يحب أن يذهب إلى لعب الطاولة مع أصدقائه على المقهى بعد إنتهاء ساعات العمل. أما سميرة فهى تنشغل معظم الوقت فى أعمال المنزل ولا جديد غير ذلك فى حياتهم.

لكن فجاءة، وبينما حمدى يجلس فى الصالة، يرى الحائط وقد ظهرت عليه بقعة نشع كبيرة قد تسببت فيها جارتهم عطيات التى تسكن فوقهم، وذلك عندما قامت بغسل شقتها وسكبت الماء والصابون لتنظيف بلاط الصالة، حينها تأثر حائط منزل حمدى وسميرة ووصلت مياه التنظيف إليهم، مما تسبب فى هذا النشع القوى ..

بعد مناقشات حادة مع الجارة عطيات، يحاولان خلالها افهامها أنه من الواجب عليها تصليح ماتسببت فيه من تلف وخسارة لحائطهم ... ترفض عطيات، ولكن فى النهاية وبعد تهديد حمدى لها بأنه سيوصل الأمر للقضاء ترضخ لمطالبهم وينتهى النقاش بالموافقة، وبأنها سترسل لهم مبيض المحارة للتصليح.

وبينما هم ينتظرون الرجل الذى سيصلح الحائط يلاحظ حمدى وسميرة شيئاَ غريباً، فقد تركت ماء النشع، بعد أن جفت على الحائط، أثر أدى إلى ظهور أشكال غريبة أمامهم، فيجلسون مدقيين لترجمة تلك الصور و الأشكال. يتضح أن هناك شكل لفتاة تجلس على بيانو كبير يشبة البيانو الموجود فى منزلهم، وخلف البيانو تقف سيده كبيرة ولكنها عابسة الوجه. وأمامهم يجلس شاب وسيم على أريكة وهو منهمك فى بعض الأوراق ..

كل هذا يظهر من خلال أثر النشع، وكأن الحائط تحول فى غضون بعد دقائق إلى شاشة عرض سينمائية !

يتعجبون من وضوح الصورة بتلك الدقة، ثم ما لا يلبث أن تمر بضعة دقائق حتى يسمعون لحن جميل وحزين، فينظرون إلى بعضهم البعض فى أندهاش متسائلين من إين جاء صوت هذا اللحن، يظنون أنه صوت الراديو يأتى من عند الجيران، ولكنهم يكتشفون أنه صوت البيانو المرسوم على الحائط وأن الفتاة هى التى تعزف !!

يتعجبون مما يرون ومما يسمعون .. ما هذا الذى يحدث أمامهم ؟؟

ثم تبدأ الشخصيات فى التحدث ... فبينهم حدوتة وحوار، مشبعان بفضول حمدى وسميرة لمعرفة من هم هؤلاء الأشخاص وماهى علاقتهم ببعضهم البعض. فضول قاتل يجعلهم يجلسون للإستماع لتلك الشخصيات وهى تتحدث مع بعضها.

يتضح من الحوار أن الفتاة والشاب أخوات، وأن تلك المرأة هى والدتهم ... و هذا الشاب المنهمك فى أوراق كثيرة أمامه يتضح أنه عالم وباحث قد جاء بغرض هدف كبير يريد تحقيقه، وهو كيف يصبح الطعام متوافراً بالمجان، كيف بعد أن وصل الأنسان إلى القمر وحقق نجاحات عديدة فى مجالات عده لم يصل حتى الأن إلى القضاء على مشكلة الجوع. لذلك يبذل كل جهده العلمى لتحقيق هذا الحلم.

تناقشه أخته فى أفكاره فيوضح لها أهميه هذا البحث فى القضاء على تلك الأفة، وينذهل حمدى وسميرة من هذا الكلام الجديد على أذهانهم فتنهمر أفكار كثيرة فى رؤسهم، ويتجدد الطموح لديهم وكأن ما ظهر لهم على الحائط يبعث برسالة إليهم بأن الحياة ليست عمل روتينى من أجل الطعام، وان العمل لابد أن يكون بناء للفكر والمستقبل والكيان ... والطعام ﻻبد أن يتوافر كالهواء للإنسان حتى يتفرغ لبناء عقلة، فلا يكن كل هدفة ملء بطنه.

هذا مادعى إلية توفيق الحكيم على لسان شخصياته فى تلك المسرحية .. فالطعام لابد أن يكون لكل فم وبأبسط الطرق .... ولكن للأسف فى تلك اﻷيام يحدث شئ محزن للغاية، عكس مادعى إليه أو ماكان يحلم به توفيق الحكيم فى تلك المسرحية ... فجميع برامج التوك شو وجميع حوارات الناس فى الشارع لا تخلو من الطعام والبحث عن الطعام وغلو الطعام..

يوم أزمة الدواجن ..ويوم أزمة اللحوم .. ويوم أزمة السكر وختامها إلغاء الدعم عن الطعام .. الطعام الذى لابد أن يتوافر كالهواء للإنسان حتى يصبح أكثر رقيا من الحيوان.

إننا إذا تأملنا الحيوان لوجدناه يبحث طيله اليوم عن الوسيلة التى يحقق بها الإشباع لغرائزه لا أكثر ... وأذا كان الأنسان يعمل فقط ويكب كل جهده فى العمل من أجل أشباع غريزة الجوع فما فائده عقله، الذى سيذوب حتما من اﻷنهاك فقط فى البحث عن لقمة العيش ... فالعمل لابد أن يكون هدفه أسمى من ذلك، وهو تحقيق انجازات عديدة لتحقيق السعادة للإنسان وبناء الوطن. أى أنه يتخطى فكرة أشباع جوعه، ليشعر الأنسان بعد ذلك بالحرية فيما يقدم من جهد.

هذا ما أشار إليه الحكيم ووضح من خلال المسرحية بمنتهى العبقرية النتائج المذهلة للقضاء على الجوع فى العالم كله، ألا وهى شعور الأنسان بالحرية ... فالجوع يعنى العبودية ... يعنى أن هناك طرف أخر يقهرك حتى يطعمك، وهذا بمثابة السجن على الأنسان وعليه أن يخترع شيئا للقضاء عليه.

واذا تحقق هذا الأنجاز لتحققت أشياء كثيرة بالتبعية ... من أهمها وأولها اﻷنسانية.

سوزان نادى