#فادى_رمزى يكتب: عقدة الخواجة (5) .. سوق روتردام

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم انسانيات

 


الهدف من سلسلة المقالات تلك هو عرض بعض المواقف التى تعرضت لها شخصيا ... ومنها نتعرف على العوامل المشتركة واساليب التفاعل المختلفة، بيننا وبين من يراهم البعض "فوقنا" وعلشان نوصل لهم قدامنا ييجى 100 سنة.

الموقف الخامس: (راجع المواقف السابقة)

خلال زيارتى الأخيرة لروتردام، المدينة الثانية فى هولندا الشقيقة، تمتعت بالتجول فى ال Market Hall، وهو مبنى جميل مكون من دور واحد بحوائط زجاجية من الجانبين. يحتوى على مجموعة من اشهى محلات الطعام وبيع الخضراوات ومنتجات الجزارة والجبن والمخبوزات والحلويات ... يعنى بإختصار مكان يمكن ان يزيد من وزنك بمجرد التجول بعينيك بين اركانه، وبالتأكيد لو بدأت "تلقط" فى العينات المجانية الموضوعة امام اغلب المنتجات المعروضة، فستنتهى الجولة بكم مشتريات كبير وتلبك معوى رهيب، لو كانت "الطفاسة" هى الغالبة.

وقفت امام احد محال الجزارة وعينى طالعة على "كتف روستو" معتبر يكاد يقول ألتهمونى ... كان هذا اليوم الأخير قبل السفر، ومن روعة المشهد صممت ان اخذ هذا الكتف معى الى مثواه الأخير فى القاهرة ... وذلك حتى ابقى جزءً من روتردام معى بعد العودة، مما يقلل من الشعور بالحنين لتلك الغالية الشهية الدسمة.

سالت البائع عن امكانية وضع هذا الكتف المفدى فى كيس خاص air tight ليس به هواء، مما يحفظ اللحم سليما طوال فترة السفر فلا يتلف ... اجابنى البائع متأسفا وذلك لان الماكينة الخاصة بتفريغ الاكيس من الهواء ليست بهذا المحل بل بالفرع الرئيسى الذى يبعد محطتين مترو من ال Market Hall.
شكرته متحسرا، فلم يكن هناك وقت لدى للذهاب الى حيث اشار، ومشيت مبتعدا وانا اناجى الكتف مثلما كانت فاتن حمامة تناجى اختها فى دعاء الكروان قائلة: وين هنادى ياماى.

وبينما انا اتجول ملتاعا "طقت" فى بالى فكرة مصرية اصلية ... توجهت على اثرها الى اقرب محل وسالت البائعة الرقيقة: هل لديكم ماكينة تفريغ الهواء من الأكياس؟ ... ردت مبتسمة: ايوة طبعا ... فطلبت فورا معتمدا على المعدن الهولندى الأصيل الذى يظهر وقت الشدائد: ينفع طيب اشترى حاجة من محل تانى و"تكيسيهالى" يسترك، اصلى مسافر بكرة و (كنت هبتدى اقولها ان امى ماتت وماليش جيش اكمنى وحيد والدائرى زحمة ف الرايحة والجاية ولكنها وافقت على الفور على الطلب بطون اى مناهدة)

عدت الى الجزار الخايب واشتريت منه الكتف الروستو، وانا اعايره على خيبته اللى كانت هتكلفه زبون وتكلفنى هضم كتف شهى مصون.
بعد ان انهيت المهمة فى المحلين وخرجت بالكتف قرير العين، اخذت افكر واتخيل لو كان هذا البائع فى محل الجزارة مصرى مدردح كده من اللى يلفوا الزبون الشارى على صباع واحد ..

بالتأكيد كان لن يتوقف كثيرا عند عدم وجود ماكينة تفريغ الهواء فى محله، وبالتأكيد هو "مظبط" مع العاملين والعاملات فى المحال المجاورة ... على سبيل الصحوبية او لقتل الملل او حين يتزنق فى فكة لاعطاء باقى لزبون، او حتى يتلموا فى اكلة حلوة بعد الشغل او خلال الراحة او اى حاجة تعزز من الشللية التى تجمع اى شباب مصرى حول أى اكلة أو سيجارة أو حتى ركوبه واحدة فى أى بيئة عمل او دراسة.

البائع الهولندى تعود انه يبيع "اللى عنده" فقط ... واللى مش موجود هارد لك وخلاص هيعمل ايه يعنى؟ "يدهن الهوا دوكو؟" .. "يعبى الهوا فى ازايز؟" ... "يبيع المية فى حارة السقايين؟" ... كل دى مفاهيم مش عنده ... لم يحتاجها من قبل، فهو مكتفى بما هو متاح له من فرص تسويق وبيع، وهى كثيرة بكل تأكيد، وبالتالى لم يعان ابدا فى مواجهة تحديات ليس من المفترض ان تتواجد اصلا، بدءا من عدم وجود فكة وحتى مهاجمة البلدية للفرشة.

البائع المصرى على الجانب البعيييييد الاخر يواجه يوميا تحديات عديدة وعجيبة اصبحت من المسلمات بالنسبة له، بدءا من المعاناة المرورية للوصول الى محل اكل عيشة وحتى انقطاع الكهرباء، والتى قد تهدد سلامة بضاعته، وحتى عدم وجود اكياس تعبئة للزبائن المنتظرة ... ومع كل موقف يواجهه سيتفتق ذهنه تلقائياً لحل سهل ممتنع يستعين من خلاله بالبيئة المحيطة بجمادها واحياءها وعشمها ورخامتها وذوقها وبلطجتها، وبمراعاة قراريط عديدة من العشم والمحبة والزمالة والجيرة فى السوق ... املا فى قراريط مضاعفة آتية بلا ريب فى هذا الواقع الغريب العجيب.

الخلاصة ان البائع المصرى اصبح "مدردحا" بفضل المرمطة، ومن الجوانب السلبية لتلك الدردحة انه هيريح زبون مثلى وجد ضالته فى بضاعته ... لن يتركه يخرج حيا بدون ان يشترى منه، هو قد لا يكون بائع "شاطر" بالمفهوم العام والحديث للكلمة ولكنه بائع "مقاتل" بكل تأكيد، لن تقف امامه اى عقبة ... ولهذا ينطلق بقوةحين يعمل بالخارج، حيث البيئة النمطية السهلة العادلة الواضحة، والتى يرمح فيها بدردحته على راحة راحته، ويذهب فى دنيا النجاح بعيدا لو اجاد توظيفها ... وساعتها قد يصدر "عقدة الخواجة" للطرف الآخر، فهو هنا الخواجة فى تلك البلاد التى ينعم فيها كل مجتهد بنصيب.

والى اللقاء فى موقف آخر من مواقف ..

رحلات ابن فدودة

  • market_hall_01
  • market_hall_02
  • market_hall_03
  • market_hall_04
  • market_hall_05
  • market_hall_06
  • market_hall_07
  • market_hall_08
  • market_hall_09
  • market_hall_10
  • market_hall_11
  • market_hall_12
  • market_hall_13
  • market_hall_14
  • market_hall_15

Simple Image Gallery Extended