#تامر_المغازى يكتب: سفينة الأرزاق

كتب بواسطة: تامر المغازى في . القسم انسانيات


عندما يصل البشر لمرسى اللا ضرر ولا ضرار في تعاملاتهم اليومية والحياتية، عندها فقط ستبحر بهم سفن الرزق والرضا. لا يملك بشر رزق بشر، ولا ينفع بشر جشع وطمع ولن يسعد دائم البطر.

متى يدرك صاحب محل الأحذية أن إنتظار سيارتك أمام واجهة عرض المحل لن تمنع عنه رزقه؟

ملاك الرزق يمكنه عبور شاسيه السيارة وجسدها كي يقذف بحب الحذاء البني الهافان أبو توكة في قلب الزبون المترجل في الشارع المزدحم ، الزبون لن يمنعه ركن سيارتي أمامك من شراء حذائه، وأنا لا أستطيع أن أحمل سيارتي في جيبي أثناء تسوقي. كيف لا ينظر التاجر لمشاجراته اليومية أنه بنجاحه فيها يكسب المال بسيف الحياء وينسف آداب الطريق!

متى يدرك الطبيب الذي يملأ الدنيا بلافتات عملاقة ومؤهلات براقة أن دعايته الوحيدة المثمرة هي نجاحه مرة بعد مرة بعد مرة في أن يكون سبباً في شفاء مريض؟

متى يدرك الطبيب أنه طبيب وأن عليه ألا يبيع دواءً بعيادته مباشرةً للمريض، فمن يحل له بيع الدواء هو الصيدلي، حتى وإن قدم الطبيب خصماً للمريض أو وفر له دواءً "ناقصاً" بالصيدليات، والعجيب أن خريجي كليات الطب يتهكمون فيما بينهم على الصيادلة ويسمونهم "بقالين" أو مجرد "تجار" أو مجرد باعة! كيف يستحل الطبيب لنفسه بكل أريحية أن ينافس الصيدلية المجاورة المثقلة بالمشاكل أصلاً وكيف لا ينظر لعملية البيع تلك أن فيها شبهة الحرام! اتقوا مواضع الشبهات.

متى يدرك الصيدلي أن النجاح لا يكمن فقط في الثروة، لا بيع الأدوية المخدرة ولا التنافس مع زملائه بإدخال خواص كالشكك وتوصيل "الطلبات" للمنازل ولا بيع لعب الأطفال؟

هل ستنفعه الفهلوة حقاً، لا شيئ مما سبق هو علمٌ ينتفع به، علمه في وصفة طبية ومعلومة صحيحة وتركيبة مبتكرة، كيف يتصور الصيدلي أن الصيدلة تجارة! هي مهنة لا إمتهان، قمة الإمتهان أن تكتب لافتة بانك تقدم الخصم للجمهور على الأدوية، وأنت تعرف أن المحامي والطبيب وحتى فني التبريد لا يقدمون خصومات على خدماتهم، البقال يتقاضى منك النصف جنيه قبل المائة جنيه حين تكون قيمة مشترواتك 100.5 جنيهاً.

متى يدرك المدرس والمعلم وصانع الأجيال أنه مربي لجيل لا مربي لمواشي، أن واجبه أن يبني أجيالاً لا أن يبني عمارات وشقق وفيلات وشاليهات، أن يشتري بعلمه رضا الله لا أن يشتري أراضٍ وأطيان، أن حجرة الدرس الخصوصي المكتنزة بالطلبة لو فيها كلمة واحدة تزيد عما يقوم بشرحه في فصل المدرسة فهو في أزمة، أن يعرف أن الدرس الخصوصي معناه عدة طلبة في حجرة يقوون أنفسهم دراسياً لا مدرسة بديلة في حجرة بها مئات الطلبة!

متى يدرك كل مرء أنه لا يجب عليه أن يخصم من رضاك وسعادتك كي يرضى ويسعد هو، متى يعقد البشر صفقات ناجحة في حياتهم وتعاملاتهم، من سمات الصفقات الناجحة أن تفوز وأفوز، أن تكسب وأكسب، أن لا تخسر ولا أخسر أنا، فترضى وأرضى، فهل نعقل؟

متى نحسن؟


تامر المغازى

(الصورة المرفقة للوحة "سفينة الحظ السعيد" للفنان الأمريكى المعاصر دونالد ساف)