#فادى_رمزى يكتب: أونا

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم انسانيات


اسمى غريب اليس كذلك ... لا معنى له فى نظرك؟ ... "اونا" .. ما هو الأونا؟

هو ليس اسمى الذى اختاره لى أهلى بل هو اسم الشهرة الذى اخترته لنفسى .. او ربما اخترته مع اصدقائى لا اعرف؟ ..المهم انه صار العلامة المميزة واسم المنتج الأنسانى الذى اقدمه للبشرية.

هو أنا بكل ما أحمله من تحديات لحياة ظنت انها ستكسرنى حينما اصابتنى بالصمم فى سن صغير ... تاركة طفلاً معاقاً يدعو بعض الناس للشفقة .. يا حرااام ... كلمة حمدت الله على اننى لا استطيع سماعها ... فأنا من يعلم البشرية الآن كيف ينصتون لدقات قلب الدنيا،

وكيف يجبرونها على التحرك على ريتم دقات قلوبنا، فنحن صناع الحياة ولسنا ابدا احدى مفرداتها ... "ياحرااام" تلك نقولها نحن للحياة حين نتغلب على صعوباتها.

عشقت كل شىء جميل منذ صغرى، اردت ان اتحاور معه وله وابقيه لأطول فترة فى ذاكرتى ... اردت تعلم كل شىء جديد، فأنا اكره كل نمطى رتيب ... اكره القوالب ... اكره من يقولبون ومن يتقولبون .. اريد تحطيم كل القيود واولها قيودى ... تلك التى اراد ان يفرضها المجتمع ... فهى دوماً اقوى واغلظ القيود.

عشقى للجمال جعلنى اهوى التصوير .. اعشقه ... اذوب فى تفاصيله ... ومن ثم قررت الابداع فيه واحترافه ... نعم .. احترفت مهنة تتطلب كامل التركيز فى المفردات المرئية ... ولو كان الأمر بيدى لقطعت أذنى بنفسى .. فانا استمع الى الحياة من خلال عيناى.

اتقنت قراءة الشفاه من اجل فهم البشر وليس لمجرد التواصل معهم ..

واتقنت الاستماع الى لغة الجسد لأتعرف على الطبائع والنوايا ..

واتقنت التقاط التفاصيل الإنسانية واعادة تجسيدها لابراز اجمل ما فيها ..

احترفت الحياة ... واتقنت كشف مفرداتها ... واجبرتها على الإنصات لى.

صوتى مثير للضحكات عند البعض ... وانا اضحك معهم .. ولم لا؟ ... فهو صوت طفولى وبلكنة تبدو اجنبية، حروفها مكسورة وبعضها مهشم ... ولكنها مفهومة .. لى على الأقل. اضحك كثيرا عندما اتذكر من "اشتغلتهم" بسبب لكنتى تلك ... يظنون اننى اجنبى وبالتالى يسهلون لى بعض الأمور ... او يتكلمون بالعربية "من ورائى" ولكننى اكشفهم بعدساتى، تلك التى فى وجهى والأخرى التى لا تفارق يدى.

تقدمت فى عملى التصويرى كثيرا حتى اصبحت من اشهر المصورين المحترفين فى مصر ... اعمالى منتشرة فى مجالات التصوير الفوتوغرافى والفيديو وفى الاعلانات والكليبات وغيرها من المجالات الفنية ... اصبحت "اونا" ... رمز الحرفية والاتقان والإبداع ... اغلب من يعملون فى المجال يعرفوننى ويحترمون عملى وموهبتى.

احب كل من هم فى دائرة معارفى ... كلهم اصدقائى ... فانا لا اتعامل سوى مع من اعتبره صديقاً او من اراه يصلح كى يكون صديق لى ... ومتطلباتى ليست صعبة .. اريد فقط الصادق والواضح ... وايضا من يتقبل "تقليدى" له. نعم ... انا اقلد كل من اتفاعل معه خلال عملى ... وفى جلسات خاصة اقدم عرضى الفكاهى غير التقليدى هذا ... وينبهر الجميع بقدرتى على تقليدهم بمنتهى الدقة .. فى حركاتهم وطريقة كلامهم ... ينبهرون من قدرتى على ملاحظة اللكنات واللزمات ... اراهم يتساءلون فيما بينهم قائلين: "يابن اللذينه ... لقطها ازاى دى؟؟... كل ده من قراءة الشفايف معقولة؟؟"

اضحك بينى وبين نفسى وانا اشير اليهم ان يتوقفوا عن الضحك والانبهار حتى اواصل عرضى الكوميدى ... واضحك اكثر بينى وبين نفسى من تجاهلهم لمدى صخب لغة الجسد وما تفضحه من مشاعر ولزمات وانفعالات ... لغة عالمية لا تحتاج لاى ترجمة ... وتنقل بانوراما كاملة لكل نفس بشرية، وبالتالى ما على سوى التقاط المشاهد التى تعرضها واعيد بثها من خلالى مرة اخرى ... مع اضافة "التاتش" الخاص بى ... والذى يحمل ما اكنه لتلك الشخصية من مشاعر بمنتهى الصدق والشفافية.

انا لا التقط صوراً "شريرة" ... او اعيد بث مشاعر فاسدة او أحاول تجميل نفوساً مشوهه ... انا ملتقط الجمال وحامل لواء نشره وابرازه ... وذلك حين اجد فى فتاة او امرأة كل عناصر الجمال الأنثوى ... الداخلى قبل الخارجى ... فهو فى رأيى ما يعطى للمراة جمالا لا يضاهى ... حينها التقط لها مشهدا مع الطبيعة التى تبدو لى دوما من اجمل ما افرزته الحياة على الإطلاق ... أو التقط ابتسامتها الصافية او ضحكة لا تنبع سوى من قلوب نقية ..

أو حين أرى الماء فى أى صورة ... احيانا اظن اننى سألتقط مشهدا رائعا للماء فى كوب صغير، مثلما استطيع ابهار، بمنظر الشروق او الغروب على البحر، كل الناظرين ... أنا أرى الجمال فى كل شىء حين انظر من خلال عدستى ... وأضيف اليه واظهر مدى تعدد مواطنه فى تلك الدنيا ... ورغم ذلك قد لا نلتفت اليه ابداً، مع ان تذوقه هو ما يجعلنا آدميين بكل معانى الكلمة.

اجد فى الشروق حياة تنادينا كى ننهل ما نريد منها .. وفى الغروب اشراقة على دفء الصحبة ... هذا هو انا ... أونا ... المصاب بالصمم عن كل شىء فيما عدا الجمال .. حتى وإن كان حزين. نعم أنا أرى الجمال الحزين ... فبداخلى لمسة من الحزن ... احيانا لا اعرف مصدرها ... ربما من الوحدة ... لكن كيف؟ فحولى كل من احب ... ولكننى احيانا لا اسمعهم ... فقط اشعر بهم ... اليس هذا هو الأهم؟

هل اريد حقاً ان اسمع مثل الباقين؟ بسهولة وبدون لفت انتباهى بحركات اليدين حتى انظر الى شفاههم حين تكلمنى ... حركات اراها كثيرا مضحكة ... وكانهم يحاولون ايقاف حافلة ماضية باقصى سرعة فى طريقها .. لكننى احب حماسهم الحركى هذا ... فهذا يعنى انهم يبذلون كل ما عندهم للفت انتباهى من أجل التحدث معى. اذا لماذا يصيبنى احيانا هذا الشعور بالحزن؟ فأجد نفسى سارحاً منعزلا عمن حولى؟ ...

كنت اود لو التقط لى احد الاصدقاء صورة لى وانا فى تلك الحالة ... لكن بعدستى انا وطبقا لاعداداتى الحساسة اللاقطة لكل زفرة الم او فرحة مهما كانت عابرة ... ليت بين اصدقائى أونا آخر ... أو ربما "أونه" ... لا اتخيل ابدا كيف سيكون شكلها أو هيئتها أو كيف ستبدو بشخصيتها؟

لكن يكفى "أونا" واحد فى تلك الحياة ... لماذا نريد ان تكون الصورة دوما طبق الأصل ؟ ... اى ابداع هذا ؟؟؟ ... لقد سخرت التكنولوجيا لنا كاميرات فائقة الدقة حتى يستطيع عشاق التصوير ومبدعيه التقاط صورة للروح حين تتجسد ... وليس صورة للجسد كما نتوهم ... ولذلك لا توجد ابداً صورة لنفس الشخص مثل الأخرى، مهما حاولنا ... فالأرواح لم تخلق متماثلة ولا تبق دوما على نفس الحالة ... وبالتالى هذا هو حال صورها.

بداخلى الكثير ... فأنا يوميا اواجه تحدى جديد ... تحدى تلقيه الدنيا فى طريقى ... فاواجهه واقاومه وحين اتغلب عليه اخذ صورة "سلفى" معه ... ثم اقول للدنيا "اللى بعده" .. بل اننى الجأ احيانا لسياسة "الهجوم خير وسيلة للدفاع" ... فمثلا قررت ان اصبح عازف درامز ..

مجنون !! ... لا اتذكر عدد من قالوها ... لم يواجهوننى بها ولكننى رأيتها مرسومة على وجوههم بكامل حروفها حين واجهتهم بقرارى هذا ... وبالتأكيد لم اناقشهم فى هذا فانا مجنون بالفعل ولكن بحب الحياة بكامل انقباضاتها وانفراجاتها ... فالحياة بالنسبة لى مجموعة من الضربات الحانية والقاسية ... وهكذا سألعب الدرامز ... سأعتبرها الحياة واعيد عليها ريتمها كما تلقيته منها ... مفرزا كل ما اراه من جمالها فى صورة اهتزازات منغمة ... تصل اليكم فى شكل موسيقى .. موسيقى لا تصدر سوى من أونا.

هكذا أنا وسأظل طوال حياتى هكذا ... محاولا الحفاظ على تواصل دائم مع جمال الصورة .. أى صورة ... فهى فى عدستى تعكس الحياة كما اريدها ... وليس كما فعل بعض البشر بها.

فادى رمزى
(مهداة لصديقى العزيز .. أحمد اونا)