#فادى_رمزى يكتب: قاعة عزاء بلا 3G

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم انسانيات

 

جاءنى خبر وفاة احد الاقرباء .. من بعيد ..

ذهبت لقاعة العزاء على سبيل الواجب والمجاملة، وخلال الطريق المزدحم كعادته، تمنيت لو كان العزاء يوم الجمعة والشوارع فاضية.

وصلت ودخلت القاعة وعزيت افراد الاسرة، ثم جلست وانا انظر للساعة، فى انتظار اللحظة المقبولة اجتماعيا للرحيل ومواجهة اهوال مرور الخميس مرة اخرى.

بعد دقائق من السكون المحسوب والمدروس اخرجت موبايلي، لامضي الوقت فى تصفح فيس بوكى، بينما فى الخلفية يأتى صوت كلمات التعزية الدينية المعتادة، والتى تتلخص فى ان الدنيا فانية والخلود فى الجنة احلى ... فليكن ... لكننا مازلنا نفتقد بشدة احبابنا ونتساءل لماذا لا يموت اولاد الـ ... فسده.

وبعد  محاولات يائسة اكتشفت ان القاعة معزولة عن العالم الافتراضي تماما ... فخدمة ال 3G وال 2G وأى Gبداخلها شبه منعدمة، وبالتالى ستمضى الدقائق بطيئة وثقيلة بصورة لم أتوقعها. وضعت الموبايل فى جيبي، ممنيا اياه بان اعوضه عن فترة بقاءه فى العصور الجاهلية، بعد ان انتهى من واجب العزاء فى تلك القاعة المنفصلة عن افتراضية الدنيا.

كنت مرهقا جداً من بعد يوم عمل طويل وزحام مرورى مرير، وبالتالى لا اقوى على الإنشغال بالتفكير فى تفاصيل العمل .. ولا فى امور الدنيا الحالية خوفا من ان ابدأ فى حسد هذا القريب المرتاح منها بعد ان تركها.

لاحت فى خاطرى فجاة صورة قريبى .. من بعيد .. هذا، ووجدت فى وجهه الطفولى الذي كان يميزه ما جعلنى ابقيه معى كرفيق لاوقات انقطاعى عن العالم الخارجى.

رءوف .. هذا اسمه .. كان طيب ودمه خفيف .. ودوما يبدو متحمسا فى كلامه ويتكلم من اعماق قلبه. ابتسمت رغما عنى .. كان يضحكنى فى كل مرة من المرات القليلة التى امضيتها معه .. كان فخورا باى شىء يدور من حوله .. بعمله على الرغم من انه كان عملا معتادا ولكنه كان يعشقه .. بظروف حياته ومعيشته العادية التى تماثل حياة ملايين من الطبقة المتوسطة الكادحة .. وبجلوسه كل يوم تقريبا على القهوة مع اصدقاءه مثلما يفعل اغلب المصريين يوميا بدون اى داعى للمفاخرة ..

كان فخورا باخوه المهاجر ونجاحاته .. وببناته الثلاثة وأى من انجازاتهن المهنية والعائلية، يحكى عنها وعنهن معظما مخارج الفاظ كل كلمة .. يقول مثلا: "(بنتى) كانوا طالبيها ف الشغل بالاسم" ..  يقولها للتعبير عن فخرة باحداهن ..  "حلوة اوى زى القمر، نسخة من مامتها" ... يقولها معجبا بجمال حفيدته، وبابنته التى مازال يراها بقلبه طفلة.

كان يبدو قلقا احيانا ولكن بطريقة طفولية لذيذة .. يبدو خلالها "مكلضما" مثل اى طفل صغير ثم سرعان ما تزول تلك الكلضمة ... لا اعرف كيف لكنه يعود متحمسا وفخورا مرة اخرى، ويبدأ فى قص مواقف حياتية مضحكة و مسلية أو معزية تلهيه وتلهينا عن أمور الدنيا المقرفة.

ذكرياتى معه قليلة للغاية .. ظللت اعتصر ذاكرتى حتى تذكرت سمة اخرى من سماته المحببة .. كان يحب الحيوانات .. وخاصة الكلاب. اتذكر مرة انه كان يلاعب كلبا، يراه لاول مرة فى حياته .. واذ بالكلب يرتاح اليه ويلاعبه ويتمسح فى قدميه ..  ورءوف يضحك ويلاغبه بصورة طفولية خاصة ومميزة ... ابتسمت .. لا .. فلتت منى ضحكة قصيرة وانا فى العزاء ... واعتدلت بسرعة مستعيدا تجهمى الاجتماعى المطلوب حتى لا اتهم باللا مبالاه.

هذه هى كل حدود معرفتى به .. كان طيب ودمه خفيف  .. لماذا لم أسعى ياترى لزيادة التواصل معه؟ .. امن كثرة اصحاب المجلس المريح من امثاله؟؟؟

حضر ال 3Gفجاة قاطعا حبل افكارى ... مبطلا ابتسامتى وانا استرجع القليل من ذكرياتى ..

ترددت لثوان ثم اغلقته بيدى فى لحظة شجاعة نادرة .. فحالياً مع رءوف ذاك افضل جدا .. فقد كنت محتاجا لتلك التعزية وهو كان اقدر الناس على تقديمها.

الله يرحمه .. بقولها بجد جدا مش مجاملة.

فادى رمزى

قاعة المناسبات بكنيسة العذراء
شارع الوجوه – شبرا
مصرنا