#فادى_رمزى يكتب: ومن كمبوديا يخرج شيئا صالحا

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم انسانيات

 

كمبوديا دولة صغيرة "غلبانة" تقع جنوب شرق اسيا ... عانت طويلا من الحرب الأهلية فى سبعينات القرن الماضى، والتى انهت على الأخضر واليابس هناك. وبعد انتهاء الحرب لم تستطع كمبوديا الخروج من عثرتها الإقتصادية، مما ادى إلى انتشار الفقر والجوع فى انحاء البلاد، وذلك بسبب تمكن الفساد وعجز النظم الحاكمة التى جاءت بعد الحرب فى وضع اسس فعالة لتحقيق التنمية الحقيقية.

كمبوديا الآن تحتل المركز ال 122 من 194 دولة، طبقا لاجمالى الناتج المحلى (مصر فى المركز ال 45 على فكرة) وذلك طبقا لتقرير الأمم المتحدة عن عام 2013.

فى احدى ايام عام 2000 زار الأمريكى جيريمى هوكنشتاين كمبوديا بغرض السياحة، وهاله ما راه هناك من حال الشباب الكمبوديين، فقد لاحظ انعدام وجود فرص عمل حقيقية فى البلاد ووجود نسبة كبيرة من الشباب من مواليد وقاطنى معسكرات اللاجئين التى اقيمت خلال الحرب الأهلية والسنوات التى تلتها.

هوكنشتاين تأثر جدا بحالهم، خاصة وان والدته الألمانية الأصل كانت ايضا من من مواليد احدى معسكرات اللاجئين الهاربين من الهولوكوست، وذلك خلال الحرب العالمية الثانية ... فماذا ياترى فعل هذا الألمانى الأصل الأمريكى الجنسية، مع شباب دولة لا يمت لهم بأى صلة سوى مشاركتهم الحياة على نفس الكرة الأرضية؟

هوكنشتاين اخذ يفكر ويفكر، واعتصر عقله المشبع بعلم الإقتصاد الذى درسه فى جامعة هارفارد الأمريكية حتى تمكن من وضع الطريقة الفعالة والمحكمة لخدمة شباب تلك الدولة المتعثرة.

فى عام 2001 توجه هوكنشتاين الى بنوم بنه عاصمة كمبوديا وبدأ فى تكوين شركة ذات مسئولية اجتماعية، غير هادفة للربح، تعمل على ادخال البيانات عبر الكمبيوتر، وهو عمل لا يحتاج لمهارات خاصة ولكنه يحتاج لايدى عاملة شابة.

وكانت اولى مهامه تعيين اثنان من الكمبوديين الشباب للعمل كمديرين للشركة ومساعدته فى ايقافها على رجلها، وبالفعل وجد ضالته وارسل الشابين للهند للتدرب فى احدى الشركات المتخصصة فى ادخال البيانات الكترونيا هناك.

عاد الشابان وبدءا تعيين فريق عمل مكون من 20 شابا وفتاة من كمبوديا وتلقينهم ما تعلموه من الشركات الهندية ... اما هوكنشتاين فقد تولى توفير اجهزة الكمبيوتر وخطوط الانترنت وغيرها من التجهيزات الفنية ... والتى تكلفت 50 الف دولار دفع هو نصفهم والنصف الآخر تبرع به اصدقاء له فى امريكا آمنوا بالبعد الإنسانى للمشروع ورغبوا فى المساهمة فيه.

ايضا استغل هوكنشتاين علاقاته فى جامعة هارفارد ووقع معها عقداً لتحويل الأعداد القديمة لصحيفة جامعة هارفارد الطلابية اليومية الى نسخ اليكترونية، لحفظ هذا الأرشيف التاريخى الذى بدأ عام 1873 مع اول عدد للجريدة العريقة وتسهيل عمليات البحث واستخراج المعلومات منه.

الشباب الكمبودى تحمس للعمل جدا، لدرجة انه ادى المطلوب منه بمنتهى الكفاءة على الرغم من تحديات عديدة واجهها ... اولها واهمها ان ولا شاب منهم كان يعرف حرفا فى اللغة الإنجليزية ... نعم ... لا يعرفون حتى شكل الحروف، فكيف لهم اذا ان يدخلوا اعداداً كاملة من جريدة تصدر فقط باللغة الإنجليزية ؟ عملية مستحيلة بالطبع اليس كذلك؟

لا ابدا ... فإذا ما اراد الشباب يوما النجاح فلابد ان يستجيب القدر ... لقد قام الكمبوديون بتقسيم انفسهم الى مجموعتى عمل تقوم كل واحدة بادخال نفس البيانات على اجهزة مختلفة، ثم يأتى برنامج خاص يقارن ما كتبته كل مجموعة ويظهر اماكن الإختلاف لمراجعتها، وذلك لضمان الوصول لمنتج نهائى خالى من الأخطاء تماماً باسرع السبل الممكنة.

تخيلوا معى حجم المجهود المطلوب اداءه من شاب يجلس امام لوحة مفاتيح يتعرف علي حروفها بالشكل فقط، وامامه صورة من صفحات جريدة لا يفقه اى من كلماتها، وعليه ان يدخل ما بها من كلمات "بالشبه كده" .... وكذلك يفعل زميلاً اخر له لنفس الصفحة، ثم يقارنون ما كتبوه،  ويتعلمون من اخطاءهما ... كل هذا وهما لا يعرفان الإنجليزية بالمرة.

ولأن هوكنشتاين كان رجل ذو رؤية، ولم يقرر بدء الشركة لمجرد تقديم المساعدة المادية او توفير اى فرص عمل تقليدية للشباب الكمبودى العاطل، بل كان يهدف الى تحقيق التنمية الحقيقية والشاملة، كان العرض الذى يقدمه لهم كالتالى:

1- الراتب الشهرى لكل شاب 75 دولار امريكى، وكان متوسط الدخل للمواطن الكمبودى وقتها 400 دولار ... فى السنة ... أى 33 دولار فى الشهر فقط.

2- يُمنَح كل شاب منحة دراسية بنفس قدر الراتب الشهرى لاستكمال دراسته، فاغلبهم كان متسرباً من التعليم لاعالة اسرته ولتدنى مستوى التعليم هناك، وايضا لتعلم الإنجليزية والكمبيوتر لتحسين اداءه فى عمله.

3- كل طالب سيعمل ثم يتوجه للدراسة بعد العمل، وذلك بالاتفاق مع عدد من المدارس المحلية والجمعيات الأهلية، والتى وافقت على فتح ابوابها للطلبة بعد انتهاء اليوم الدراسى وساعات العمل بها.

4- من انهى من الشباب مرحلة التعليم الثانوى سيتم اعطاءه منحه للحصول على شهادة جامعية فى التخصص الذى يريده.

الشباب اقبلوا على العمل والتعليم كالأسود الجائعة، نهلوا من العلم والمال وساهموا فى تحسين احوالهم المعيشية واحوال اسرهم وايضا عملوا على زيادة كفاءتهم المهنية، وبالتالى شعروا باهميتهم فى الحياة وبقيمة جهدهم وفكرهم بعد ان كانوا كائنات مهمشة لا قيمة لها فى الدنيا.

خلال 4 سنوات من العمل المتواصل اصبح عدد الشباب العاملين فى شركة Digital Divide Data 170 شابا مقسمين على ثلاثة مكاتب فى ثلاثة مدن فى كمبوديا (بنوم بنه العاصمة، وباتامبانج، حاجة زى اسكندرية، وفينتين، قد كفر الشيخ كده)

الشركة يمتلكها الأمريكى صاحب الرؤية جيريمى هوكنشتاين وشريكه الكمبودى سوفارى، وهو بالمناسبة واحد من الدفعة الأولى من الشباب الذين اقيمت على اكتفاهم الشركة، وهو كان يعيش فى احدى معسكرات اللاجئين حتى عام 1992 واضطر الى ترك المعسكر ومشى لمدة 10 ايام حتى وصل الى قريته الفقيرة، لعدم وجود اى اموال معه، وظل هائما على وجهه فيها يعمل فى اعمال يومية متفرقة، حتى التحق بالعمل فى الشركة عام 2001.

الشركة الآن تدخل بيانات شركات فى امريكا والهند وايران والاردن ومنغوليا وباكستان ... وبسبب دراسات تكنولوجيا المعلومات التى وفرتها الشركة لموظفيها، انشأ اثنان من شبابها شركة منفصلة لتصميم برامج قواعد البيانات، والتى تساعد المؤسسات الأهلية على ارشفة نتائج الاستطلاع المختلفة، والتى تجريها لتقييم اداء انشطتها او للتعرف اكثر على المجتمعات التى تخدمها.

اذا الحكاية بدأت برجل ذو مشاعر انسانية نبيلة، لديه رؤية تنموية شاملة تعتبر الشباب اساس النهضة فى اى أمة، ويستخدم العلم الحديث وجهود وابداعات الشباب لتحقيقها ... ثم يترك العجلة تدور معتمدة فقط على قوة الدفع الشبابى التى بدأ بها مسيرة التنمية.

هوكنشتاين لوحده ماكانش هيعرف يعمل حاجة .. والشباب بدون دعم ماكانوش هيحققوا حاجة .. والتنمية بدون علم ورؤية سليمة مش هتتحقق فى سنتها.

درس بسيط كده من كمبوديا ... علشان نعرف ان الامانى ممكنة والافكار التقليدية مش هتوصلنا لاى حتة.ونتعلم منه ان طموحاتنا لازم تبقى حدودها السما، وان سوء الأحوال لا يجعل من اى نجاح محال ... لكن علينا فقط تحديد الرؤية الطموحة المحققة لكل احلامنا، ثم نستعين بالعلم فى كل خطوة، وبعدها نبذل كل الجهود الممكنة ونتفرج على النتائج المبهرة بقى ساعتها.

وتوتة توتة وخلصت ف كمبوديا الحدوتة ... عقبالنا يارب عقبالنا قولوا ان شالله.

فادى رمزى

المصدر: كتاب The World is Flat– للكاتب الأمريكى توماس فريدمان