#من_وحى_الصورة: ماذا ترى فى هذا الإعلان؟

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم انسانيات

 

إعلان قد لا يلفت نظر الكثيرين عندما نشر فى فبراير 1950 ... ولكن حين اعاد نشره الأهرام بالأمس لفت نظرى وبشدة ..

فبغض النظر عن قيمة الجنية سنة 1950، والذى تستطيع لو امتلكته تعلم الطيران من خلال كلية متخصصة ... وهو امر يكلفك عشرات الآلاف من الجنيهات الآن.

وبغض النظر عن الإهتمام بهذا المجال، الجديد وقتها، مما يعكس بعد نظر كبير واهتمام بالدخول فى ذلك المجال على اسس علمية سليمة.

وبغض النظر عن التخصصات المطروحة والتى تغطى كافة التخصصات التى تجعل شركة الطيران المصرية فى غير حاجة لاستقدام خبراء من خارجها.

بغض النظر عن كل هذا ... وهو ما لا يقلل من شأن تلك النقاط السابق ذكرها ... هل لاحظتم الصورة الموضوعة فى الركن الأيمن اسفل الاعلان؟.

نعم .. انها صورة امرأة ... ترتدى ما كان يرتديه الطياريون قديما.

المراة هنا ليست مطلوبة للعمل كمضيفة مثلا، او بائعة "حسنة المظهر" او صورت فى الاعلان واقفة بجانب شاب وسيم يرتدى زى طيار، لجذب الشباب لتلك المهنة الوليدة ... لا ابدا ... المرأة هنا يمكنها ان تعمل فى وظيفة طيار او مهندسة طيران او فى الملاحة الجوية او اللاسلكى، مهن كلها الآن تحمل انطباعات ذكورية فى مجتمعنا، ومن النادر ان تجد امراة تعمل فى تلك المجالات فى شركة مصر للطيران عام 2015، بعد 65 عاما من نشر هذا الإعلان.

لا اعرف بالطبع عدد من تقدمن لهذا الإعلان من سيدات وفتيات مصر عام 1950، وربما كانت العديد من الاسر فى المجتمع فى ذلك الزمان يرفضون عمل بناتهن فى تلك الوظيفة، او فى اى وظيفة اخرى ... ولكن بالتأكيد كان القائمون على الأمر ساعتها على دراية بطبيعة المجتمع المصرى الذى يعاصرونه، وبالتالى لن يضعوا صورة فى الاعلان تجعله مرفوضا او مذموما من اغلبية الراى العام وقتها.

ان تغيير مفاهيم اى شعب وتطويرها يأتى دوما من جهد وفكر صناع القرار فى اى زمان .. وصناع القرار هنا ليسوا بالتحديد الساسة الذين يديرون شئون الدولة، بل من يؤثرون بصورة مباشرة او عير مباشرة فى توجه الراى العام على المستوى السياسى والاقتصادى والمهنى والفنى والاجتماعى وغيرها من امور الحياة المختلفة.

ان وجود "نخبة" ... بالمعنى الحقيقى للكلمة ... واعية وفاهمة ومطلعة ومتحضرة وراقية ومتمدينة وتدرك جيدا ابعاد دورها، ولو بفطرتها المبنية على اسس سليمة، لهو افضل سبيل للرقى باى مجتمع، فالناس تتطلع دوما لمن هم افضل منهم، وتقلدهم او تتبع خطواتهم ... فلو كان من هم فى دائرة الأضواء غاية فى السوقية والجهل والاقصائية وجمود الفكر ... فماذا ننتظر اذا ممن هم خارج تلك الدائرة التى تتحكم بدرجة كبيرة فى شئون حياتنا.

الموضوع لا يخص ما يسمى ب "حقوق المرأة" ... بل بحقوق الانسان فى العيش فى مجتمع لا يعتمد على التمييز والاقصائية لرسم ادوار محددة مقيدة لافراده ومعطلة لقدراتهم الحقيقية، بل يختار الأفضل والأكفأ والأكثر جدارة بدون أى اعتبارات عنصرية.

كل هذا يمكن ان نستنتجه من "حتة" اعلان فى اهرام فبراير 1950 ... نعم بكل تأكيد، فالاعلانات تعكس بدقة ما يطلبه المواطنون وما يريده القائمون على الامور، ووضع امراة فى اعلان عن وظيفة طيار او مهندس طيران يختلف كثيرا جدا عن وضع صورة وردة بدلا من صورة امراة فى الانتخابات البرلمانية، او ان تحتاج المرأة الدخول بكوتة لتمثيل الشعب فى اى دائرة، مع انها كانت ب جنية واحد فقط تستطيع الطيران وجعل السماء حدودها.