#فادى_رمزى يكتب: وتحققت العدالة فى ميدان الرماية

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم انسانيات

 

كنت أقود سيارتى فى السابعة من صباح الأحد الماضى مخترقا ميدان الرماية ومتجها لشارع الهرم ... أحاول أن اخرج من عنق الزجاجة المرورى وهو فاضى .. وطبعا عنق الزجاجة هذا ممتد عادة من بيتى لحد مكان شغلى، فالقاهرة مروريا عبارة عن عنق زجاجة كبير مالوش آخر .. لكن دى قصة أخرى.

قبل أن أصل لمحطة موبيل لمحت رجلاً يرتدى ملابس الكناسين الشهيرة، الله اعلم هو فعلا كناس ولا مأجرها للشحاتة ... وبدون أى تحليل منطقى، لعب الفار فى عبى. فوقفة الرجل ماريحتش الحاسة السادسة بتاعتى، فإنطلقت تصرخ موقظة باقى حواسى قائلة: فوقوا يا حواس لتحصل مصيبة ماتنحاش.

وبالفعل انتبهت بفضل صراخ السادسة، وهدأت من سرعة العربة، وابتعدت عن الرجل قبل أن أصل اليه بثوان قليلة ... واذ بى أفاجأ بان الرجل بيترمى على الأرض فى نفس مسار عربيتى قبل ما اغير اتجاهها ... وبالطبع نتيجة لانتباهى غير المبرر أو المفسر، الرجل بقى عامل زى حارس مرمى بيترمى فى زاوية تانية، بعد ما الكورة دخلت المرمى والحكم صفّر.

طبعا هو كان عايز يلبسنى حادثة ... زى نور الشريف فى فيلم دم الغزال كده ... ينقى عربية معينة ويقع قدامها وصاحب العربية يراضيه بقرشين علشان ما يروحش فى داهية.

فرملت بالطبع لما انكشفت خدعته وفتحت ازاز العربية وقلت له: "انت بتستعبط ولا ايه؟؟؟" ... وقبل ان انطلق مرة اخرى فوجئت بميكروباص سبقنى ووقف قدامى وعربتان تاكسى وعربة ملاكى وقفوا ورايا ... انا قلت آآآآآه انا اتعملت كماشة وشكلى هيتعمل معايا الجلاشة.

نزل السواقين كلهم وبعض ركاب الميكروباص واتجهوا ناحيتى ... نزلت انا كمان اواجه بشجاعة مصيرى، وقبل ان اتفوه بكلمة لقيت سواق الميكروباص بيزعق: "انت بتستعبط ولا ايه؟؟" .. قلت فى سرى "الله .. دى جملتى انا، بتلطشها كده بسلاسة من غير ما تقول (منقول) حتى" .. واذ بى (أفوجأ) انه بيوجه كلمه للراجل مش ليا، وكذلك كل الحشود اللى وقفت فى لحظتها.

فهمت انهم شافوا الواقعة فوقفوا يلوموا الراجل على استعباطه المكشوف، وفى وسط لومهم جه واحد قالى: "احنا شفناك بتفاديه ومالمستوش، فقلنا نقف علشان ما يلبسكش تهمة وتروح اونطة" ... قلت فى سرى "يادى الكسوف ... كل دول علشانى .. علشانى" ولا كأنى فاتن حمامة لما اكتشفت ان فريد الأطرش، فى فيلم حكاية العمر كله، جابلها الفساتين اللى عايزاها، وكان نفسى اغنيلهم يابو وقفة جنان تعبيرا عن شكرى لهم.

الرجل النصاب طبعا اتكشف وبفضل توبيخ الحشود انهار واعترف، قال انه عاطل وغلبان ووراه كوم لحم، وحد قاله له يعمل كده لجل ما يجيب الاكل واللبس والهم اللى ما يتلم.

الرجل بدأ فى العياط ... عياط حقيقى مش فوتوشوب ... حاجة فعلا تقطع القلب ... الناس فى ثانية بقت تطبط عليه، ولكن لم يتغير موقفهم منه، وقعدوا يقولوله: "ماشى انت غلبان، طب البيه (انا يعنى) هو اللى عمل فيك كده؟؟ توديه فى داهية يعنى ... طب لو لا قدر الله رحت فيها مين هيشفع له ساعتها .. ترضى يتسجن ظلم بسببك ؟؟ ماهو شكله صاحب عيال برضه ونازل من صباحية ربنا يسعى لرزقه زينا ... ياراجل اتقى ربنا"

الراجل اعترف بخطأه، واعتذر لى بحرقة لدرجة انه حاول يبوس ايدى طالبا المغفرة ... واحد من ورايا قال لى "معلهش اديله حاجة ده غلبان" ... فانبرت سيدة قائلة: "هو غلبان بس لو خد حاجة هيعملها تانى ويمكن المرة الجاية يروح فيها جدع تانى" سألتها "أنا معاكى ... بس الحل ايه دلوقتى؟" ... ترددت ومعها كل الواقفين، وبسرعة تدخل سائق الميكروباص وقال: "تعالى معايا يا عم الحاج (الراجل مش انا) انا نازل الجيزة وعندى مصلحة كده ممكن تلاقى رزقك فيها".

تعالت هتافات التأييد والدعاء لسائق الميكروباص ... وطبطبوا على الراجل وشجعوه على الذهاب فى تلك المصلحة، ان شالله حتى ينال شرف التجربة ... وبسرعة اصبح مع الرجل كيس به ساندوتشات فول من مطعم فلفلة المجاور، ماعرفش مين جابه ولا اذا كان ده تبرع من المطعم نفسه، وكمان معاه مبلغ لا يتعدى 20 جنيه من احد الواقفين.

انصرف الجمع سريعا كل إلى حاله ... وبالتأكيد كل منا تأثر بهذه الواقعة بصورة مختلفة، لكن بالنسبة لى كنت منبهرا للغاية بتلك الومضة الخاطفة المشبعة بالسمات الانسانية المصرية الأصيلة المتحضرة الراقية والمتميزة ..

الناس دول كلهم وقفوا وعطلوا نفسهم فقط لانقاذى من الظلم .. فقط لأنهم شافوا بنى آدم ممكن يتعرض لمشكلة كبيرة لا ذنب له فيها، بنى آدم ما يعرفهمش ابداً ولا عمرهم هيشوفوه فى حياتهم يمكن ... ولو ما وقفوش مافيش اى لوم عليهم ... فانا ما خبطتش الراجل وهم مش مطالبين يقفوا مادمت نجحت فى تفادى الرجل ومافيش تصادم حصل.

شعب جاهل ومتخلف وهمجى ومايمشيش الا بالكرباج مش كده ؟؟ ... فيه ناس للأسف بتقول كده !!

ياريت كل اللى محتقر او حتى فاقد الثقة فى الشعب المصرى، مع إنه وإنها باسبورهم اخضر زينا، يقرأ المقالة مرة تانية، ويقول هل ممكن كان يتوقع وقفة زى دى ومن عدد البشر كله ده وبالشكل ده؟؟

وياريت كلنا نجاوب على السؤال التالى بهداوه :

ايه اللى ناقصنا يا ترى علشان نبقى دولة قانون وعدالة ؟

هل ناقصنا شعب يعرف يعنى ايه عدالة ويحترم اصولها، ولا ناقصنا قوانين عادلة ورادعة وتتطبق  على الكل بلا محسوبية او واسطة؟

فى انتظار اجاباتكم

من ميدان الرماية كان معكم

فادى رمزى

الفخور بإنه مصرى