#غادة_بدر تكتب: كان مفروض تقوله في داهية

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم ادب

 


قصة من واقع الخيال ..
يعني قصة ماضيها وحاضرها حدث بالفعل، ومستقبلها سيحدث بإذن الله في القريب العاجل ... بس قولوا انشالله.

نرجع بالماضي للزمن الجميل .. مش الجميل قوي .. يعني الزمن النص نص .. زمني انا وانتم واصحابناالحلوين المبرقين دول ..

ونقول كان يا ما كان في سالف العصر والزمان .. منزل مثله مثل الكثير من منازل القاهرة ... تسكنه عائلة مشابهة لعائلات كثيرة في الوطن .. عائلة صغيرة يملؤها الحب ... الأب يعمل طبيب بشري ومدير لإحدى الأقسام بمستشفى حكومي ... وام ربة منزل حاصلة على بكالوريوس فنون جميلة ... فنانة رفضت العمل مفضلة التفرع لتربية أبنها ... ام ارادت أن تجمل جدران منزلها بلوحات فنية تفيض بالحب عن أن تجمل حياة الأخرين ... ام اسمها حنان وهي بالفعل اسم على مسمى.

شاءت ارادة الله سبحانه وتعالى الا ينجب ايهاب وحنان سوى ابنآ واحدآ اسمياه احمد، كنوع من الحمد والشكر لله .. وكبر احمد وحيدآ لوالديه على الرغم من المحاولات الكثيرة اليائسة التي اجتهد فيها حنان وايهاب ليصبحا والدين للمرة الثانية، ولكن ارادة الله كانت فوق كل شئ.

كانت عائلة حنان وايهاب تعد من العائلات النموذجية السعيدة التي لا ينقصها شئ ... حياة خالية من المشاكل الجوهرية ... فقد ساعد تفرغ حنان لأسرتها على جعل المنزل اشبه بالجنة ... حيث ان حنان حرصت على ان تكرس كل وقتها لرعاية أسرتها الصغيرة، فلا وقت لديها لإضاعته مع الجارات او الصديقات وهكذا كبر أحمد على الخلق والأنضباط والألتزام.

حتى جاء يوم مهم في حياتهم يوم ٢٥ يناير 2011
(ثورة ٢٥ يناير )
كان احمد وقتها طالبآ بكلية الهندسة جامعة القاهرة.
يصحو احمد يومها ويرتدي ملابسه على عجل ... ويصيح بحنان: ماما ما تستنينيش على الغدا ... انا مش راجع النهاردة ... انا نازل أعتصم مع اصحابي في ميدان التحرير.

الأم: يا مصيبتي ... تعتصم يعني ايه ... هو احنا مالنا ومال الكلام الفارغ ده ... خليك في مذاكرتك
احمد: نازل يعني نازل ... انا مش اقل من اصحابي
حنان تبدأ في الإنتحاب وتتغير لهجتها الي الإستجداء: حرام عليك يا احمد ... لو انا غاليه عندك ماتننزلش ... ده انت الحيلة يا بني ... ده انا وأبوك ماعندناش غيرك.
الأب (الدكتور ايهاب) بلهجة حازمة : سيبيه يا حنان ينزل ... الشعب كله نازل
احمد يسارع بالنزول وهو يصيح يعيش بابا ويسقط النظام

ويلحقه يوم أخر مهم ١١ فبراير ٢٠١١ ... (يوم تنحي الرئيس حسني مبارك)
الأسرة كلها بالميدان تحتفل واحمد هو عريس الحفل.

وكمان يوم اخر مهم ١٧ يونيو ٢٠١٢
(انتخابات رئاسية جولة ثانية بين مرسي - شفيق)
احمد: ازاي يا ماما عايزة تنتخبي شفيق ... انتي عايزة ترجعي نظام مبارك تاني ... لو حصل الكلام ده انا هاسيب البيت وامشي ومش هتشوفي وشي مرة تانية. .. (كان مفروض حنان ترد تقوله في داهية بس محصلش) ... المهم احمد مكملآ حديثه: احنا كلنا لازم ننتخب الدكتور مرسي يا ماما.
الأم تضع يدها في وسطها: بس انا مش عايزة انتخب الأخوان يا احمد
أحمد: مالهم الأخوان يا ماما احنا شفنا منهم حاجة وحشة ... وبعدين دول ناس بتوع ربنا ... اكيد هيحكموا بالعدل.
حنان تبرق لأحمد: واحنا ايه مش بتوع ربنا يا احمد ما احنا بنصلي ونصوم طول عمرنا.

وبعد جدال عقيم بين احمد وحنان ... ترضخ حنان لرغبة ابنها وتعصر الليمونه وتنزل تنتخب الدكتور.

بعد ستة أشهر من هذا التاريخ ... و نرى احمد يقف على احدى كراسي المنزل ليعيد دهان حائط المنزل بلون واحد في محاولة منه لطمس كل أبداعات امه الفنية.

الأم تجري مولولة إلي أيهاب تشكو له حال احمد ... يضحك الدكتور ايهاب مقهقآ ... حنان حبيبتي متهوليش كل حاجة زي عادتك، وبعدين انتي تكرهي ان ابنك يبقى ملتزم وبقي يصلي الفرد في الجامع. مش احسن ما يبقى فلتان زي ولاد اليومين دول ... الهي يهديك يا حنان سيبيني اراجع ملف المريض ده.

حنان تنظر إلي السماء: التزم يعني ايه ... هو احنا كنا كفرة قبل كدة ؟؟؟ ... يا ناس جنونتوني ... انا هاموت ناقصة عمر .... والله ده كتير وكتير قوي كمان.

وبعد تلك الأيام يأتي يوم اخر مهم ١ يوليو ٢٠١٣
(بعد خلع المخلوع المأسوف على عينه الدكتور مرسي العياط)
احمد يتحدث بالتليفون بصوت منخفض: لازم نلحق نتجمع في الميدان قبل ما يعتصموا فيه ... نعم بتقول ايه مسجد مصطفى محمود ... لا خلينا في رابعة احسن ... ايوة يا سيدي ميدان رابعة العدوية.

الأم تتصنت: احمد حبيبي ... بلاش ... المرة دي مش زي المرة اللي فاتت ... الشعب كله قصادكم ومعاهم كمان الجيش دول بيقولوا عشرين مليون ... لأ تلاتين. اسمعني يا بني ربنا يهديك ... الشعب مش عايزهم وبصوت اجهش على البكاء تستكمل، وانا كمان مش عايزهم.

احمد: ينادي اباه هتيجي يا بابا ولا انزل انا
الأب: جاي معاك يا احمد ... استناني... ألبس بس الجزمة

واخيرا ...يأتي يوم فاصل في حياة احمد... يوم ١٥ أغسطس ٢٠١٣
(بعد يوم من فض اعتصام رابعة العدوية)
احمد يقف في صوان العزاء يأخذ عزاء ابيه الدكتور ايهاب الذي قتل في فض أعتصام رابعة
وهكذا وفي غضون اقل من ثلاثة اعوام تحول المنزل السعيد الذي كان يعشعش فيه عصفور الحب الي منزل كئيب تظلله سحابات الغم والهم.
تمر الأيام واحمد لا يريد العودة لأكمال عامه الدراسي الأخير ... فلقد زهد الحياة كلها.
تذهب حنان الي احد زملاء زوجها تترجاه في ان يحرر شهادة مرضية لأبنها لتقدمها الي عميد الكلية كشهادة اعتذار عن دخول امتحانات هذا العام.

وهكذا تنجح حنان في إنقاذ مستقبل ابنها الوحيد احمد.

الشهور تمر بطيئة ومشاعر الكراهية داخل احمد تكبر يوما بعد يوم، فبعد موت الدكتور ايهاب بين يدي احمد في فض اعتصام رابعة ... اصبح ما بين احمد والنظام الحاكم والجيش والشرطة وكل الجهات الحاكمة أكبر بكثير من الكراهية فلقد اصبح بينه وبينهم ثأر كبير وأنهار من الدماء ..

بعد تخرج احمد من الجامعة يفشل مثله مثل معظم جيله في إيجاد فرصة عمل جيده بمؤهله الدراسي ... يعبش احمد في فراغ دائم يجعله متقوقعآ داخل نفسه ومتفرغا لمشاهدة القنوات الفضائية (قنوات الأخوان) التي تبث سمومها وأفكارها العدوانية ضد النظام الحاكم والمجتمع الخانع وتشحن احمد وامثاله ضد المجتمع ...

في حقيقة الأمر لم يكن احمد في حاجة للمزيد فما بداخله من كراهية وحقد كان كافي لحرق الوطن بأكمله.

لم يكن امام احمد سوى الهروب من هذا الجحيم فيخطط للسفر في اول فرصة ... ولأول مرة تتفق حنان مع احمد على ضرورة سفره. فقد كان ترى ابنها كل يوم يموت أمامها وهو يرى من قتل اباه أحرار طلقاء.

تبيع حنان كل مصاغها ليشتري احمد فيزا للعمل بالخليج، ولكن احمد يخدع حنان ويسافر الي ايطاليا بفيزة سياحية ... فقد كان احمد كارها لكل الدول العربية ولايريد الحياة بها... فهو يراهم جميعهم وجوها مختلفة لعملة واحدة ..

بعد مضي فترة من الوقت يضطر احمد الي كسر الفيزا السياحية التي جاء بها ويعيش في حالة خوف دائم ان يتم القبض عليه وترحيله الي الوطن ... سنوات اخرى تمر وبالتحديد بالعام ٢٠٢٢ وبعد رحلة معاناة واختناق لأكثر من أربع اعوام اخيرا ينجح احمد في ان يلتحق بعمل دائم في احدى المطاعم الأيطالية وتكون هي بوابة حصوله على الإقامة الدائمة ومن ثم الجنسية.

لم يحصل احمد على هذا العمل بناء على مجهوده او مثابرته ... ولكن وفره له احد أصدقائه الدواعش ... فقد وقع اختيارهم عليه بعد ان لمسوا رنة الحقد و الكراهية داخل احمد على من يديرون الحكم في بلاده ... كان احمد صيدآ سهلآ لهم وبعد عدة اختبارات نجح احمد بجدارة.

وبعد وثقوهم فيه واختيارهم له ساعدوه كى يحصل على الوظيفة ومن ثم الاقامة ومن ثم الجنسية ..

اعوام اخرى تمضي من عمر احمد، ولازال احمد يعمل في نفس المطعم ولكنه يكتسب ثقة كل من حوله وفي أثناء ذلك ... يتلقى التدريبات المطلوبة ... ومن ثم يأتي يوم رد الحساب لتنفيذ الخطة المطلوبة منه.

خبر صغير ينتشر في غضون ثواني عبر مواقع التواصل الإجتماعي ... تصرخ حنان وهي تشاهد الخبر انه نفس المطعم الذي يعمل فيه احمد ابنها ... ثم تصيح يا ضنايا يا احمد يا ترى عامل ايه ... ثم تلمع عين حنان وهي تتمعن في قراءة الخبر الذي كان نصه: القبض على المتهم الأول في حادث انفجار مطعم بولوفلاج بروما بإيطاليا وهو ايطالي الجنسية من أصول عربية وأسمه احمد أيهاب.

أصدقائي تفتكروا لو حنان كانت من الأول قالت له في داهية كان كل ده حصل؟؟؟؟؟

غادة بدر