#مريم_أحمد تكتب: ما يستحق الحياة

كتب بواسطة: مريم أحمد في . القسم Template Settings

 

هاهي الساعة السابعة مساءً ..

تقف في محطة العربات ...تنتظر واحده تقلها إلي المنزل ..

وكالعاده أقدامها لا تحملها من الوجع فمنذ الصباح الباكر وهي تبحث عن العمل بلا جدوي.

مرت علي الكثير من أصحاب الشركات .. رفضت كالعادة دون سبب مقنع أو لأمرٍ ليس بيديها.

أحدهم رفضها لهيئتها التي توحي ببساطة حالها .. والآخر رفضها لبعد مسكنها او لأنها تقطن في منطقة شعبية لا تتماشي مع مركز الشركة واسمها العريق ..

والآخر يرفضها لكونها فتاة .. متذرعاً بأنها لن تقدر علي تحمل المسئولية كما ينبغي دون أن يكلف نفسه عناء اختبارها أولاً

ظلت في إنتظار العربة .. مايزيد علي نصف الساعه فالشوارع لا تهدأ من المارة والمحطة تمتلأ عن آخرها ..

تشعر بالوجع يسري ذهاباً وإياباً من أطراف أقدامها لأقصي نقطةٍ برأسها. الي أن جاء الباص الحكومي ..لطالما كرهت إرتياده ..

مجرد تواجدها به كافٍ ليدخلها في دائرة إكتئاب لعدة أيام .. ولكن ليس من الأمر بد .. فالليل قد حل و لم يعد هناك متسع من الإنتظار بعد .. فوضعها لا يحتمل أن تدخل في عراكٍ مع أسرتها بسبب تأخر الوقت ..يكفي أنها ستعاود أدراجها وهي بدون عمل كالعاده.

صعدت للباص تجر أحلامها معها ... ألقت نظرة سريعه تبحث عن مقعد .. ها ..هناك واحد في آخر ركن ..لا بأس عليها أن تتحمل السير بضعة خطوات أخري لتصل إليه.

جلست ..

وبدأت كالعادة تتأمل وجوه الركاب حولها .. كم يرهقها ذلك ولكن ليس لديها متسعٌ من الإختيارات ..

فتأمل الوجوه أهون عندها من أن تغمض عينيها لتتأمل حالها الذي يسوء يوماً بعد يوم ..

هذا الشاب الذي يتحدث في الهاتف ويعلو صوته يقول لصديقه: سأسافر في الغد .. ينتقي عبارات الوداع الأخير لكنه مع ذلك يحاول تهدأة صديقه الذي يبدو أنه لم يكن يعلم بالأمر .. بكلماتٍ متقطعة .. سأغيب لكن سأعود .. وسنلتقي !!

هذه الفتاه التي تجلس بالجوار يكسوها الهدوء .. ربما كانت أوضاعها تسير علي ما يرامـ وربما تعاني من أمرٍ ما لا أحد يعلم ..

وهذا العجوز الذي صعد للتو .. غير قادر علي الوقوف يتفقد الأمكنة الفارغة ولا يجد ... ربما كانت جل أحلامه أن يجد مقعداً يجلس فيه إلي أن يصل ..

انتظرت لدقائق .. وكالعادة لم يبادر أي من الجالسين ليتنازل عن مقعده لهذا العجوز الذي لايقدر علي تبديل أنفاسه.

وقفت وطلبت منه أن يجلس .. رفض في البداية .. لكنه خضع في نهاية الأمر متمتماً ببعض الكلمات والأدعية ..

أما عنها فلا بأس أن تتحمل المزيد من الوجع ..

ففي بعض الأحيان يصل المرء منا إلي مرحلة تسكين الأوجاع بوجع غيره .. الأمر يشبه الي حد كبير بضرورة بتر عضو من الجسد للبقاء علي قيد الحياة.

وقبل أن تصل ببضع دقائق ... بدأت كلمات المواساه تتبادر لذهنها.

"الكل يعاني فلست وحدك" .. "تعبٌ كلها الحياة يا أنا" ..

"لا أحد منا يسير دون أن يتعثر" ..

"ربما كانت كل المحاولات السابقة تحمل في طياتها نقطة الوصول " .. "ربما من بستان الألم تنبت ورود الأمل "..

"في النهاية لا أحد سيشعر بك سواك" تنهدت بصوت مسوع ... آآه

وانتبهت لوصولها.

نزلت من أدراج الباص تحمل أوجاعها وأحلامها وفي الوقت ذاته يجول بخاطرها عبارة درويش

"علي هذه الأرض مايستحق الحياة " !!

ربما !

مريم أحمد