#مريم_أحمد تكتب: اول مقال

كتب بواسطة: مريم أحمد في . القسم ادب

 

على ذات المقهي يجلس رجل في الخمسين من عمره .. يطلب كوب قهوته المعتاد .. يرتدي نظارته الشفافة .. يكرر أمسه اليوم والغد.

يدقق النظر في الجريدة بشكل ملفت للنظر، وكأنه ييحث عن شئ ما غير قراءة أخبار السياسة والقتل والاغتيالات المتكررة .. يتفادي قراءة أخبار الرياضة والفن .. ربما لانه يؤمن أنهما الجزء الخفي من لعبة السياسة ومجرياتها .. يبحث عن شئ ما ..

على بعد خطوات يقف صاحب المقهي ... مستعجبا حال هذا الرجل .. منذ ما يقرب من ٢٥ عاماً وهو علي ذات الحالة.

لا احد من سكان المنطقة يعرف شيئاً عنه .. حيث انتقل للسكن في الحي ولم يصحبه احد ..لا احد يتردد عليه .. كما انه نادر الخروج .. في البداية ايام شبابه كان يشاهد خارجاً من منزله صباحاً مرتدياً بذلته السوداء الانيقة ..

كان شابا وسيما يخطف انظار الماره .. ممشوق القوام .. يسير بخطي ثابتة .. مبتسم مقبل على الحياة .. ثم ما ان جاء موعد رجوعه وجد علي غير حاله .. لمعة عينيه توحي بانه وكانما مضي ساعات يبكي .. ووجه وكانه اصطبغ بلون بذلته ..

يجلس علي مقعد القهوة يومئ براسه للصبي ليحضر له كوب قهوته .. يمسك جريدته ويظل يدقق النظر وكانه يبحث عن سر خفي ..
والي الان، وبعد بلوغ هذا السن ومنذ ان تقاعد عن العمل، لا يخرج الا آخر الليل .. يخرج و بصحبته الجريدة ونظارته التي فرض عليه ارتدائها لضعف نظره ..

كلما اراد احد الاقتراب منه ومجالسته يهرب كالطفل الصغير مستأذناً .. مدعياً ان عليه النوم !!

لطالما أثار فضول صاحب المقهي حاله .. والسر وراء تدقيقه المستمر لذات الجريدة .. حتي ان بائع الجرائد إذا لم يأت بتلك الجريدة لثار غضبه لدقائق .. ثم ما لبث ان رجاه بأن يأتي له بأي ثمن ما فاته من طبعات ؟!

انتهز صاحب المقهي فرصة قدومه وداهمه وكأنه علي حرب معه .. اراد احاطته من كل جوانب منذ لحظة دخوله حتي لايستطيع الهرب كما يفعل مع الجميع طوال الوقت ؟

قذف بوجهه السؤال مرة واحده .. اخبرني ما السر وراء تلك الجريده ؟! وعن أي شئ تبحث

أصابت الرجل الخمسيني الدهشة من جرأة صاحب المقهي .. لكن هفي ذات الوقت كان ينتظر هذا السؤال منذ أعوام ..
ربما ضاق صدره بسبب طول الكتمان ..

- أبحث عنها ..

نظر اليه صاحب المقهي متصلباً وقال: من ؟!
- هي ..
لم التق بها الا مرة واحدة .. حينما كنت ارتاد القطار للانتقال لهذا الحي .. رايتها علي مسافة لا بالقريبة ولا بالبعيده ..!
سمعتها تتحدث الي صديقتها تقول اليوم هو اول يوم في العمل .. رايت لمعة عينيها الصافيتين .. وتلك الحماسه في كلماتها .. اليوم سينشر لي اول مقال بالصحيفه ..

التفتت .. فوجدتني ابتسم لها .. فابتسمت .. ثم غادرت القطار.

ومنذ ذلك اليوم وانا أتأنق كلما ذهبت للعمل لربما يجمعنا لقاء ..

أبحث عنها في الجريده لربما ترسل لي كلمات خفية تحمل معاني الحنين و الاشتياق .. منذ ذلك اليوم وانا انتظرها تكتب عنا .. او حتي متي ستعاود إرتياد القطار ..!

لكنها لم تفعل .. ولكني انتظرها الي الان .. وسأظل انتظرها.

مريم أحمد