#إبراهيم_حمدى يكتب: كان صديقي (1)

كتب بواسطة: إبرهيم حمدى في . القسم ادب

 

 

وقال لي يومها بصدق لم أكن أدرك مداه : كنّ يا صديقي طبيبي وإحتمل ألميّ !!

أهديته حينها إبتسامة مغرورة .. ومر اليوم .. ويوم آخر .. وأيام كثر مرت ، ومرت أخريات غيرها وهو لا يمل كلما رآني على فترات أن يهمس إلي بها : كنّ يا صديقي طبيبي وإحتمل ألميّ !!

إتفقنا.. وإختلفنا ... ورغم حدة الإختلافات إلا أننا لم نتخاصم يوماً !!

كان يدّعي أنني شخوص كثر تجمعت فى شخص واحد .. وأنه يجيد التعامل مع هذه الشخوص كلٌ على حدى.

وكنت أدّعي أنه شخص يحتمى فى كل حياته خلف عاطفته.. لكنه بحاجه لعقل وحجة ومنطق يتناسب وهذه العاطفة.

والحقيقة .. أن ضحكتى العالية ما كانت تستطيع أن تختبيء منه أثناء حضوره فهو يجيد إستدعائها بشده وقتما يشآء.

ومرت الأيام .. كما تمر بين أي صديقين.

دون أن ألتفت إلى شيء أكثر صدقاً أو أكثر عمقاً مما هو باد لي !!

ومتى يا عزيزى كانت تدهشنا الحياة ؟

وهل لديك تفسير آخر لعلاقاتنا الفاترة مع أنفسنا وخالقنا والناس أجمعين غير أننا صرنا .. لا نندهش !!

ومرت الأيام ..
مرت يوماً على شروده وهو يحدثني عن الله ، عن الغاية من الخلق ، عن الإله الذي نعبده دونما نراه.

ومرت يوماً على حماسته وهو يحدثني عن التاريخ الحديث ، عن عبد الناصر وعن شعراء الناصرية الكبار.

ومرت يوماً على تحليلة الفنى الدقيق لأعمال الدراما القديمة بكل مؤلفيها ومخرجيها وممثليها.

ومرت بنا أيام وأيام على مقامات عبد الوهاب وعُرّب كاظم الساهر.

كان يُحب الحب لذاته ، كان يُحب الحكاية .. وكان يتخيل نفسه دوماً جزءاً من الحكاية ..

لو كنت معي يومها وهو مغمض عينيه يردد خلف عبد الوهاب بتأثر بالغ ما كتبه حسين السيد في رائعته : "بأفكر في اللي ناسيني وبأنسي اللي فاكرنى" .. لظننت أنه هو كاتب الكلمات ومُلحنها ومُغنيها .. وأنه هو الحكاية ذاتها.

إبتسم كعادته بعدما أفاق من حالة السُهد هذى ليهمس لي : كن يا صديقي طبيبي وإحتمل ألميّ !!

ذات صباح غريب هاتفني ثالثنا ليخبرني أن ثانينا بالعناية المركزة ... وأن جلطة دماغية تسربت إليه على غفلة منا فعطلت نصف جسده.

هرولت إلى صديقي .. فإذ به نآئماً غآئماً .. تحيط به أسلاكاً تشبه فى إحكامها خيوط القدر من حولنا.

مسحت على رأسه .. وأنا أنظر في الأركان والزوايا وعلى سريره أو تحت غطآؤه على هذا الذي يُقعدنا ويهُدنا هداً .. هذا الذي يسمونه .. المرض.

لماذا يا إلهي خلقت لنا .. المرض ؟

يُخيل إليّ أحياناً أنه شيء من عذاب الآخره إستقدمه الإله سبحانه إلى الدنيا.

وقرأت يوماً أثراً إلهياً قديماً يقول : " كيف أرحم عبدي من شيء يُرحم به " .. فهمست بها لصديقي .. هذه رحمه.

ما المرض يا صديقي إلا رحمة نستشعر به نعمة العافية ..
ما المرض يا صديقي إلا رحمة نستشعر به مدى فقرنا للإله الأعظم سبحانه ..
ما المرض يا صديقي إلا رحمة ندرك بها قيمتنا فى قلوب من حولنا ..
ما المرض يا صديقي إلا رحمة لأن أقدار الإله كلها رحمة حتى وإن لم ندرك كنهها ..

ظللت أهمس إلى صديقي .. وصوت جهاز نبضات القلب يؤرق علينا الصمت الثقيل.

أشار لى أحد العاملين أن إنتهت الزيارة .. مضيت .. أقود سيارتي وحدى وذاكرتى .. مللت السكات .. فما وجدت مفراً من أن أستضيف معي من يؤانسني الطريق .. وعلا صوت من سيارتى .. صوت القيصر وهو يغني لشاعر العراق الحديث كلماته فى قصة حبيبين ..

هو إلتقاني مريضاَ تائه القدم ..
محطم القلب أدمى إصبع الندم ..
كن يا صديقي طبيبي وأحتمل ألمي.

وفى مواقف مثل هذه قد لا تُسعفك عينيك بدموع تريحك .. بل تتجمد الدموع بصدرك حتى تشعر بثقل لا تحتمله .. وآهة مكتومة تذكرك بأوجاعك القديمة .. على هذه الأسرة وتحت سطو هذه الأسلاك .. كان أبي وعمي وجدى .. وقفت هذه الوقفة مراراً .. أنا والمريض والمرض بيننا .. حآئل لا أروق له ولا يروق لي.

خرج صديقي بعافية منقوصة ..
خرج وهو يتكىء على أرض مهترئه ..
لكأن البلاء نزل بداره فقرر أن يطيل المقام بعض الشيء.

ما هى إلا أيام .. ليهاتفني ثالثنا فى صباح أشد غرابة من سابقه .. أنه بالعناية المركزة.

وتدمع عين ثالثنا وهو يحادثني .. ويطيل الكلام ولا يريد أن يغلق الهاتف .. ويحكى لى عن مدى الوجع الذي ألم بثانينا.

هرولت كعادتي بين السيارات أحاو ل أن أجد لنفسي مخرجاً ..
ولازال همسه القديم يراودني : كن يا صديقي طبيبي وإحتمل ألمي !!

وقفت أمامه .. لا .. لا ليس أمامه .. ليس هذا صديقي .. هذا هو المرض سرق منا وجه صديقي فإرتداه قناعاً.

أين صديقي ؟
أين الضحكة الجميلة ، والقول الساخر ، والحماسة المنفعله ، والرومانسية العذرية ؟

كان جسده كله له عاصياً ... يتحرك رغماً عنه ، يهتز فجأه ويسكن فجأه ،صوته ثقيل ، فمه ليس في موضعه.

كيف لي الآن أن أكن طبيبك وأحتمل ألمك .. صديقي ؟

أسرعت فى الكلام كعادتي .. وبصوت عالي مسموع .. قرعته بكلامي .. ظنناً منى أن هذا سيحفزه .. إتهمته بالأنانية .. ووصمته بالخوف من مواجهة الحياة ..وقصصت عليه حكايات أعرفها .. وأخبرته أن حياتنا غُرف .. لا يمكن أن نغرقها جميعاً ثم نندب حظنا عليها.

قال لي مهموماً : أنا مكتئب .. مكتئب جداً
لا أريد هذه الحياة ،أرفضها ، لا أحبها ، لا أريدها .. أنا مع إله رحيم فى وصال .. هو يعلم أننى الأن تائباً من كل ذنوبي .. فخذني إليك رباه.

فهممت أبكي غير أنى عصيت الدموع .. وقلت مستكبراً على الألم :
ومن لصغيرتك .. ومن لأختها التى على موعد مع الدنيا بعد أيام .. ومن لقلب أمك .. ومن سنداً لزوجك .. ومن عضداً لأبيك ؟

بكى صديقي .. آآآآآه
كان يبكي شيئاً بداخله لا يريد البوح به .. ولازال !!
ضاق صدره .. حتى صار البراح الفسيح في عينيه أضيق من سم الخياط.

مر يوم آخر .. ويوم .. ويومان .. وصاحبي تهتز كل أطرافه ... حتى بلغ عصيان الجسد مداه .. حين رأى دموع أبيه علي حاله .. فخرس تماماً.

لم يستطع أن ينطق .. يحاول ويحاول .. لكن لا سلطان لك على جسدك صديقي. ومن عنده مثل أبيه .. يكفي أن تنطق إسم أبيه أمامه .. فما بالك أن يري دموعه.

نقلنا صديقي إلى مكان مخصص للعلاج النفسي ، وعلى عتبات المشافي كنت ولازلت أفتقد روح صديقي.

أشعر وكأنه يهرب من شيء ما .. شيء من أعماق الأعماق. قال لي بعدما توسل الأطباء لفمه حتى يطيعه ويعاود الكلام مرة ثانية :

لم يزل كاظم يصفني فى كل شيء حتى فى مرضي .. ألم يقل " حتى حبوب النوم قد تعودت مثلي على الصحو .. فلا تنام " .. أنا أيضاً بت لا أنام .. لا أنام أبداً.

تنحيت عنه جانباً .. ومنحت عيني مشهداً طبيعياً ممتداً تنظر إليه بعض الوقت .

فإذ بأخيه يخبرني أنه يصفني .. أنني عقله الذي يفكر به.
وإذ بأمه تصارحنى بشيء أسرّه إليها .. أننى أفهم عليه ما يقوله وما لا يقوله، وأنه يثق برأيي.

ولأننى أفهمه .. ولأننى أعرفه تركتهم وعدت لخلوتى .. أردد معه قول كاظم :

أخشى عليه نوبة اليأس ..
إحساسه العالي سيقتله ..
خوفي عليه لا على نفسي.

اليوم .. يخلد صديقي للراحة بمستشفي عامة لأنه ما إحتمل المقام فى المستشفيات النفسية لهول ما فيها من حالات مرضية يصعب معايشتها ، يخلد للخلوة ، يخلد للوحدة ، يأنس بذاته ، بربه ، بأحلامه ، بما يسعده وفقط.

هو الآن .. أفضل
ولكن .. حتى متى صديقي ؟

حتى متى نستتر من مواجهة الحياة خلف عبآءة المرض ، حتى متى نتمنى حالاً ومقاماً غير الذى نحن عليه الآن فإن لم نناله ننهزم بهذه البساطة.


قم يا صديقي ..
قم وعاند ، قم وكابد ، قم وقرر ، قم وواجه ، قم وتعافي ، قم وتجلد ، قم وكن ما تريد.
الخلود لليأس والإكتئاب والأسرة البيضآء . لا يقيم هدماً ، ولا يصلح معوجاً.

خلف باب الغرفة .. طفلة جميلة لا تلعب معنا .. تنتظرك أنت لتلاعبها وتمازحها.

وخلفه .. أم مكلومة ، وأبُ هدهده القلق عليك حتى كاد يفني ما بقي له من عافية ، وإخوة لا ترى في عيونهم إلا قلقاً مقيماً ، وزوجة تحمل معها جنينها وحبها ، تُري أيهما أثقل عليها ؟ .. هى بحاجه لحبك أن يعينها على جنينها.

وخلف هؤلاء جميعاً يقف صديقك .. يُسألك :
هل وفيت ؟
هل كنت طبيبك وإحتملت ألمك كما تمنيت صديقي ..
أم تُراك فيّ مخذولاً ؟

إبراهيم حمدى