#غادة_بدر تكتب عن: ماهي وأزواجها الخمسة (3)

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم ادب

 الحلقة السابقة

لم يكن أمامها سوى العودة من حيث أتت ... عادت ماهي الي منزل أمها مرة اخرى بعد الطلاق الخامس خاوية اليدين ... عادت ولم تعد ... لا شئ معها سوى ذكريات .. فحياة ماهي كباقي البشر تطغي عليها الكثير من الذكريات، ولكن للأسف الشديد كانت أغلب الذكريات ذكريات أليمة.

دخلت الي غرفتها .. ولأول مرة نرى حدوداً وأقفالاً بينها وبين أمها ..

كانت غرفة ماهي مغلقة بالمفتاح ... فقد كانت تريد الإختلاء بنفسها ... بعيدة عن كل من أذوها ... فلا تريد أن ترى اي كائن على وجه الأرض حتى أمها.
لقد شاركت امها، بدون ان تدري، في الحاق الأذى بها ... فقد رأت أنها ضحية مجتمع جعلها لعبة في أيدي رجال أساءوا أستخدام عقلها قبل جسدها، فأستهلكوا أدميتها وأهدروها .. ماهي لا تنسى ايضآ دورها فقد ساهمت معهم بأستسلامها وخضوعها الكامل لهم في تحطيم الأنثى بداخلها.

في تلك اللحظة تنخرط ماهي في البكاء ... فقد تذكرت زوجها الرابع. كانت له اهدافاً تختلف تماما عمن سبقوه .. فقد تزوجها حتى يستمتع بالأنثي التي لطالما حلم بها. كان احد معارفهم الأسرية القديمة، وكانت المسافة بينه وبينها بعيدة كل البعد ... كانت أقصى أمنياته في الماضي ان يحلم بها ..

راقبها وهي تتزوج مرة وأثنيين وثلاث وعندها تأكد له ان المسافة بينهم أصبحت قاب قوسين .... جاء طالبا الود وقبلت هي لتلهفها على أن تكون أماً، فقد نصحها الأطباء بسرعة الزواج لأنها الأن في أقصي مراحل الخصوبة ... ولكن لم يكن هذا هدفآ من أهداف زوجها الرابع.

كان معجباً بالشكل وليس بالمضمون، فقرر أن يأخذ دوره في حياة ماهي ويستهلكها كأي أنثى يلتقطها من الشارع ويعيدها مرة أخرى إلى الشارع. فتكوين عائلة مع ماهي لم تكن من ضمن مخططاته ... ولذا لم يستمر هذا الزواج سوى بضعة أشهر وأعادها مرة أخرى الي بيت امها. كان زوجا حقير بكل معانى الكلمة.

مرت على ماهي ايام واسابيع وهي حبيسة جدران غرفتها ... حتى كانت أمها تبكي يوميآ على باب الغرفه لتفتح لها ماهي وتقبل أن تأخذ منها الطعام.
كانت ماهي تحاول ان تلملم أشلاء نفسها حتى تعود ... لكنها تعود فتتذكر معاناة الماضي، فتتذكر ما عانته بعد طلاقها الرابع، فقد تجرعت يومها المر من نظرة مجتمع سطحي، مجتمع لم يكلف نفسه النظر الي الألام التي عانتها أو إلى أحتياجها العميق لأن يكون لها أبنا من صلبها.

شريط الذكريات لا يتوقف .... فتتذكر ماهي انها كانت في زيارة عائلية عند خالتها لمباركة ابنتها على الأنجاب، وعندما همت بالأنصراف حدث موقفان حفرا في قلب ماهي الكثير من الجروح. فقد رفضت ابنة خالتها احضار المولود لتراه ماهي خوفآ من الحسد، كما رفضت ابنة خالتها الأخرى النزول معها في نفس المصعد خوفآ على زوجها من الخطف.

تبتسم ماهي بسخرية ... فقد ابتعدت عنها الصديقات وقاطعوها ... وخافت منها سيدات العائلة فأخفوا عنها أولادهن وأزواجهن.

تعود فتنخرط في نوبة بكاء متصل ... فقد أصبح جمالها وتألقها نكبة تطاردها في كل مكان تطأه قدماها ... فتتذكر عند عودتها إلى العمل بالتدريس الجامعي بعد طلاقها الرابع، كيف كانت زميلاتها يتهامسن عليها ويلتزمن الصمت حين دخولها ... فكل نساء محيطها بدأوا في القلق منها، فلقد أشتهرت في محيط معارفها بأنها المرأة "المزواجة" التي تبدل ازواجها كما تبدل أحذيتها.

نسوا كلهم أدبها وأخلاقها ... كما نسوا معها ايضآ السبب الرئيسي لسعى ماهي لاهثة وراء الزواج ... لم يقدر أحد لهفتها على أن تكون أم ... ولم تنس ماهي يومآ تحرش رئيس القسم بها، وعندما وجد صدآ منها عرض عليها ان تكون زوجة في السر فهو لا يمكنه طلاق ام العيال.

كان كل ما رأه فيها أمرأة لاهيه تسعى إلى السرير فقط ... وفي النهاية لم يكن أمام ماهي حل سوى تقديم أستقالتها والجلوس حبيسة جدران المنزل هربآ من المجتمع ..

حكايات ماهي مع المجتمع قصة فصولها طويلة لا نهاية لها ... كل ذلك جعل من حياتها جحيماً متصلاً، فسارعت بالزيجة الخامسة هذه المرة هربآ من نظرة مجتمع ظالم لا يرحم، فقد كان كل خطأ ماهي انها تزوجت بما يرضي الله وفي العلانية وليس في السر.

تفكر ماهي لبضعة دقائق بأنها لو كانت تزوجت خمسة مرات بالسر ودون ان يدري احد عنها ... لبات المجتمع راضيا عنها المجتمع، بل ربما اعتبرها قديسة.
وقطعاً كان مصير تلك الزيجة ايضآ كسابقتها.

ماهي تجلس القرفصاء على سريرها دامعة العينين ... تسمع طرقات جديدة على باب غرفتها ... طرقات تختلف عن الطرقات اليومية..... فلم يكن الطارق أمها.
تتصنت ماهي وتضع أذنها على الباب لتسمع صوت الطارق ... لا تصدق اذنيها انه صوت أتي من الماضي البعيد .... انه صوت أحمد زوجها الأول يستأذنها الدخول.

أحقآ ما تسمعه ... نعم ان أحمد يستأذنها الدخول إلى حياتها مرة أخرى. تقف ماهي امام باب الغرفه حائرة ماذا تفعل ... وشريط حياتها مع أحمد يمر أمام عينيها ... تقف متردده اتفتح له الباب ام لا؟

تحن ماهي الي ايامها مع احمد ... تحن الي لمساته ... هماسته ... على الرغم من أنانيته الا ان ماهي لا تنسى ان أحمد هو اول من لمسها وتفتحت زهرتها بين يديه ..

ضحكت ماهي فى سرها، ان احمد لربما يعتقد أنها هي نفس الشخص الذي غادرت منزله منذ عدة اعوام مضت .. هو واهم بكل تأكيد، فلم تعد ماهي بنت السابعة عشر التي أخذها، ولم تعد ايضآ امرأة الثلاثين التي تركها.

أنها الأن مجرد امراة حطمتها السنين والتجارب وتركتها جسداً جميلاً بلا روح.

تحزم ماهي أمرها ... وتترك الباب مغلقآ ... فالماضي لا يعود أبدآ.

أيام ... أسابيع ... شهور تمر ..

تلملم ماهي كل أوراق. الماضي المبعثرة وتحرقها... رمت ماهي نقابها بعد طلاقها الثالث واليوم تخلع حجابها .... ترمي غشاء الأفكار البالي ... تقرر ان تبدأ صفحة جديدة من حياتها. ستعود ماهي بنت السابعة عشر ... بحماسها ... بحبها للحياة ... ستختار حياتها بإرادتها هي ... لن تجعل شيئآ يعيق أحلامها بعد اليوم ويشدها الي الآرض... ستطير وتحلق في السماء بأحلامها.

الم تحلم يومآ بأن تصبح طبيبة لتساعد البشر ..

فليكن .. فلتحقق حلمها الأن ..

فلازال في العمر الكثير.

كانت ماهي أثناء رحلة البحث عن الإنجاب قد خضعت للكثير من التجارب على نفسها، وقرأت البحوث والدراسات بكل لغات العالم وبالأخص باللغة الفرنسية التي تختص بالتخصيب والمشاكل التي تواجه المرأة وتعيقها عن الأنجاب. حتى اصبحت على يقين، بعد ان نجحت في علاج نفسها، انه ليس هناك من أمرأه عقيم على وجه الكون ولكن هناك عقولاً عقيمة وقلوبآ متحجرة وأمال واهية وعدم ثقة في الخالق.

رأت ماهي أن ما علي اي امرأة سوى الصبر والمحاولة مرة واخرى، والإستعانة بالله وعدم اليأس من رحمته، فهي واسعة ولا حدود لها ... ولذا فقد قررت ان تفيد كل السيدات اللاتي تعاني من مشاكل في الأنجاب، بكل ما درسته وحصلته في هذا المجال ... فقد اعدت نفسها في مصاف اعلي ممن نالوا درجة الدكتوراة في حالات التخصيب، فشغفها بالأنجاب جعلها تنقب في كل صغيرة وكبيرة في هذا المجال.

كانت ماهي من عائلة ثرية ولها ميراثا لا بأس به من أبيها .. دائمآ ما كانت تسأل أمها عنه وكانت امها ترفض ان تمنحها اياه خوفآ ان تضيعه ماهي على ازواجها، فقد كانت بطبعها مسرفه وتحب الحياة المبهجة ... وما في يديها ليس لها.

رأت ماهي انه قد آن الأوان كي تطالب امها بشكل جدي بأرثها، وبالفعل كانت لديها قطعة ارض في احدى المدن الجديدة اخذت بضمانها سلفة من البنك ... مع ضخ بعض الأموال من ميراثها، وهكذا في غضون سنوات قصيرة، وماهي تتخطى سن الأربعين بقليل، اصبحت اجمل سيدة اعمال، وأفتتحت مركزاً طبياً لتخصيب النساء في مصر.

هى لم تنس أمنيتها في ان تكون أماً، ولكنها فقط تخلت عن حلم ان يكون لها ابنآ أو أبنة من لحمها ودمها ... ولذلك أفتتحت ايضآ داراً لليتيمات، واصبح لها من البنات الكثير والكثير بدون اي ازواج. فقد كانت كل بنات الدار بالفعل بناتها.

اليوم فقط بداء المجتمع ينظر لماهي نظرة جديدة ... نظرة محترمة ... نظرة تختلف تماما عن الماضي فكل صديقاتها اللاتي ابتعدا عنها في السابق الأن يتسابقن على توطيد علاقتهن بها ... فهذه تريد ان يعمل زوجها الطبيب في المركز الطبي واخرى تريد واسطة لأحدى معارفها ... وهكذا.
فللأسف نحن نعيش في مجتمع أجوف يخاف القوي وبهابه ويدوس على الضعيف ويدهسه.

لقد اصبحت ماهي الآن سيدة مجتمعات من الطراز الأول، ولكن لا زالت نظراتها الحزينة تستوقفك لتجعلك تقف مصدومآ أمام هذا الكم من "حزن السنين" الذي يطل عليك من عينيها.

وتتسأل بين نفسك من هذا الذي واتته شجاعتة على أن يدمي هذا القلب والوجه الملائكي ... فكل زوج عبر خلال حياة ماهي أضاف ظلال من الحزن على عينيها.

غادة بدر