#غادة_بدر تكتب عن: ماهي وأزواجها الخمسة (2)

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم ادب

 الحلقة السابقة

تجلس ماهي في غرفتها وحيدة ودموعها لا تتوقف - ممسكة في يدها البوم الذكريات مع احمد ..

13 عام مرت ولم تشعر بها، لا تنكر انها عانت الكثير مع احمد وشخصيه الأنا المتمركزه حول نفسه والتي تتبع اسلوب فرض الأمر الواقع على كل من حولها .. ولكنها لا تنكر أيضآ انها ذابت في شخصيته، فقد نجح أحمد في احتوائها كلية .. كانت على اعتاب سن المراهقة والجموح ولكنها وجدت خيالها الذي روض وأرضى الأنثى بداخلها، لقد اخذها احمد طفلة وأعادها الي امها أمرأه ناضجه مكتملة الأنوثة.

تنظر في مرآتها متأملة وجهها الحزين، فترضى كل الرضا عن نفسها ... وتلتمس العذر لطابور الخطاب الذي يقف امام باب منزلهم يوميآ خاطبين ودها، منذ أنتهاء شهور عدتها من أحمد– فلقد أشعلت خبرة السنين البريق في عينيها. تدخل الأم فايزة فجأة عليها مقتحمة خلوتها دون ان تطرق الباب، فلم يكن بين الأم وابنتها اي حواجز او اسرار ... تنظر لها ماهي مستفسرة عن سر السعادة البادية على وجهها ... فلا شئ في هذا المنزل الكئيب يدعو للسعادة.

تفاجئها امها بنبأ العثور على زوج المستقبل المناسب لها تمامآ، فالعريس قريباً لهم من بعيد ومعروف عنه سمو الأخلاق ... هو ذو مركز مرموق، مدير وشريك في إحدى الشركات بالسعودية، كما انه اب لإبنتين وهذا ما سيجعله غير متلهف على الإنجاب مرة اخرى. وتكمل الأم حديثها قائلة: ولا تنسي يا ماهي أنك عقيم .. تنهي الأم كلماتها بأن العيب الوحيد في هذه الزيجة هو انها ستفترق عنها وتعيش في السعودية، ولكن يكفيها انها ستعيش في رحاب الكعبة المشرفة.

في هذه المرة لم تبذل الأم مجهودآ في إقناع ماهي – فقد كان وصف أمها لها بأنها "أمرأة عقيم" تتردد في بالها .. وبالتالى أقنعتها من أول وهلة بأن هذا هو الزواج المناسب لها تمامآ. وماهي الا أشهر معدودة حتى إنتفلت ماهي الي بيت الزوجية بالقاهرة ... وظلت لفترة طويلة غير متفبلة للمسات زوجها لها، فهى لم تتعود ان يلمسها احد غير احمد، حتى اقنعتها امها بأنه لا أمل في عودتها لأحمد وبالتالى لابد لها من ان تبدأ صفحة جديدة خالية من اي مشاعر قديمة.

وبعد مرور بعض الوقت، وبعد ان بدأت ماهي الإعتياد على زوجها، كان عليها شد الرحال وتوديع أمها والرحيل مع زوجها الي محل اقامتهم الدائم بالسعودية.

دخلت ماهي الي الفيلا الفخمة بالحي الراقي بالسعودية، وكلها امال في حياة جديدة سعيدة، وما أن خطت رجلها الفيلا حتى سألت عن الفتاتين اللتان سيكونا في مثابة أبنتيها. ونزلت من الدرج احدى الفتيات - فتاة جميلة في الخامسة عشر من عمرها ذكرتها بسنوات عمرها الضائعة ... أحتضنتها ماهي بحب وأشتياق ولكنها شعرت ان الفتاة تنفر من حضنها وتنتفض ... سألتها ماهي عن اختها فردت الفتاة بأقتضاب بأن ليس لديها اخوات فأنها وحيدة امها.

نظرت ماهي الي زوجها نظرة حائرة ... وبكلمات مقتضبة وضح لها ان ابنته الثانية من زوجة أخرى ... ثم اكمل حديثه موجهه كلامه لإبنته: "ولكن ذلك لا يمنع انها اختك وان لم تكن شقيقتك" ... لم تكن ماهي تعلم انها الزوجة الثالثة لزوجها فشعرت بغصة في قلبها، فمن الواضح ان هذا المنزل تحوطه الأسرار... نظرت الي زوجها متسألة "وأين هي أبنتك الثانية" ... فرد بإقتضاب "باكر ستصل الي المنزل".

شعرت ماهي بعدم ارتياح داخل منزل زوجها الكبير، فكل حوائط المنزل باردة يملؤها الصقيع، وظلت طوال الليل ساهرة متأملة الأسقف العالية حتى غلبها النوم من التعب. ولم يكن ثاني أيامها افضل من اولها، فمع وصول إبنة زوجها الثانية كانت المفاجأة الثانية لماهي، فقد كانت الفتاة معوقة تمامآ لا حول ولا قوة لها ... قعيدة كرسي متحرك لا تقدر على اطعام نفسها، تبدو أمامها كالجثة الهامدة.

وقعت ماهي على اقرب كرسي فقد كانت المفاجأة اكبر من كل توقعاتها ... وهكذا توالت الصفعات يومآ بعد يوم على وجهه ماهي.

وبمرور الأيام لم يكن صعباً على ماهي ان تعلم أن زوجها لم يتزوجها حبآ في جمالها الأخاذ او أدبها او رقي منزلتها او حتى تعليمها الفرنسي الراقي الذي لطالما تفاخرت به ... فلم يكن كل ذلك يهمه ... فزوجها قد لمس فيها لهفتها على اشباع امومتها، و رأى ان ماهي الوديعة العقيم لن ترفض ان تكون خادمة لأبنته بعد ان هربت أمها منها. وقد كان زوجها محقآ ... فلم تقو ماهي على الرفض فأكملت الحياة معه راضخة متفانية في خدمة زوجها وأولاده.

لكن كان كل امل ماهى في الحياة ان تلد طفلاً، فبدأت في التردد مرة أخرى على الأطباء، لعل الطب قد تطور ووجد حلآ لمشكلتها .... وبالفعل فقد أعطاها الأطباء أملآ جديدآ في الأنجاب، وهكذا عاشت مع الامل ولكن مع ماهي الحياة دائمآ مختلفة.

بعد مرور اكثر من عامين على زواجها فاجأها زوجها بتعرفه على صديقة انجليزية ستساعدهم على الإنتقال الي بلاد الأنجليز والأقامة هناك بصفة دائمة، ومن ثم الحصول على الجنسية البريطانية. وما هي الا أشهر قليلة إلا وانتقل زوجها الي الديار الأنجليزية ... تاركاً أياها هي وفتياته لأكثر من ستة أشهر بمفردهم في بلاد الغربة ... مع وعد بأن يأتي ليصطحبهم معه بعد شهور معدودات.

شهورا اخرى تمر ولا يأتي الوعد، وفجاءه تلعب الصدفة لعبتها ... فحياة ماهي كلها مليئة بالصدف، فهي من تحرك ماهي وتحدد مسيرة حياتها ... تقع عينيها على رسالة بين الأبنة وأبيها، يشرح لها الأب انه قد تزوج الصديقة الأنجليزية وانه في صدد الحصول على الجنسية وعليها الصبر بعض الوقت ومسايرة ماهي، حتى يحصل على الجنسية البريطانية وعندها سيكون من السهل ان يسافروا له ومن ثم تنتهي مهمة ماهي فيطلقها.

وقعت ماهي على أقرب كرسي غير مصدقة الخيانه مرة اخرى ... إن الخيانة تطاردها في كل مكان ..

تنهار ماهي وتبكي مرددة .. لماذا يا ربي ... لماذا انا دونآ عن البشر يحدث معي كل هذا.

تلملم ماهي أغراضها متأملة كل ركن من أركان المنزل الذي لم ترى فيه اي سعادة ... ليست اسفة على اي ذكريات تكونت بداخل هذا المنزل .. أسفة فقط على ضياع ثلاثة اعوام من عمرها. تعود مرة اخرى الي غرفتها بمنزل أمها تحتمي بجدرانها ... فلا تحميها - تعود ولا تعود ... فقد عادت شخصا اخر ... وجهآ بدون ملامح ... وجه مشوه ... مسخ ... فكل عام يمر عليها تشعر ان داخلها يشيخ.

لأول مرة تتخذ ماهي قرارآ وحدها دون تدخل أمها، فما ان تنتهي شهور عدتها حتى تجد الم فايزة أبنتها تحزم أمتعتها وتهم بالرحيل ... تسألها امها الي اين؟؟؟ تلوح لها بعقد العمل الذي حصلت عليه بدولة الجزائر ... الدولة التي تمنت دوماً أن تعيش وتحيا فيها ... فماهي تريد الهروب وترك الماضي الحزين خلفها – ولا تستمع ماهي إلي نحيب أمها وتمضي في طريقها.

تبدأ حياتها الجديده بالتدريس في الجامعة ... وسرعان ما تجد نفسها تنسج خيوطآ جديدة لقصة زواج ... تراه كل يوم ويراها ... تحلم به ويهيم بها، فما زال جمال ماهي التي لم تتعد الأربعة والثلاثين يتلألأ ويخطف الأبصار ..

ينسج الحب خيوطه بينهما ... وبدون اي مقدمات تبلغ ماهي امها انها قد تزوجت من دكتور الشريعة والفقة الأسلامي ... الشاب الجزائري الوسيم ذو الطلة البهية. وهو أيضاً أب لإبنتين رائعتين أحبتهما من قبل ان تراهما.  بالفعل كانت ماهي متعطشة لممارسة أمومتها، وبدأت لأول مرة تشعر ان حياتها ستتغير منحنياتها - فقد شعرت أنها تولد من جديد.

لكن فجأه يأتي زوجها عقداً للعمل بالسعودية ... وكأن القدر يأبى عليها العيش والحياة في البلد الذي عشقته وتمنت أن يكون وطنها الثاني ... الوطن الذي لطالما سافرت له وهي طفلة صغيرة مرات عدة وحلمت ان تحيا به العمر كله. وتسافر ماهي وعائلتها الجديده الي السعودية مرة اخرى وقلبها مقبوضآ - تسافر الي البلد الذي لم ترى فيه سوى الأحزان ... وسرعان ما تدب الخلافات بينها وبين زوجها، فزوجها يفرض عليها أرتداء الزي الأسلامي الكامل ومن ثم النقاب ... فلا يجوز لزوجة دكتور الشريعة الا ان تكون منتقبة ..

لم يكن لماهي المحبة للحياة والأناقة في النهاية سوى الإمتثال لأوامر زوجها ... فماهي الأن تريد ان تعيش فقط .... وتنجب ولدآ.

كان زوجها ذو طباع حادة بعض الشئ، ولذا فقد كانت تخافه فتياته كثيرآ ... فاتجهوا بمشاعرهم وحبهم كله لماهي الحنونه التي اصبحت في منزلة امهم ... أمهم التي هربت من قسوة ابيهم.

واخيراً تحقق الحلم لماهي، فلقد كافئها الله على صبرها وحدث الحمل ... كانت ماهي تشعر أن رضي الله عنها جاء مكافأة على رعاينها وحنوها على أبناء زوجها – فأخيرآ سيصبح لها ابن أو ابنه من لحمها ودمها. كانت ماهي تنظر الي بطنها وهو يكبر امامها ولا تصدق نفسها وتحلم باليوم الذي ستلد فيه ... ليال كثيرة سهرت ماهي تحدث وتناجي أبنها ... تحدثه عما ينتظرهم معا من مستقبل.

أستيقظت ماهي من نومها ذات صباح على صوت صياح زوجها ... كتم يبحث عن معطف نظيف ولا يجد، فقد ارسلتهم ماهي جميعهم الي التنظيف .. هى تعترف بينها وبين نفسها أنها في الفترة الأخيرة أصبحت مقصرة كثيرآ ... فمنذ ان بدأت تدخل في شهرها السادس وهي تشعر بثقل كبير في كل أنحاء جسمها وبالتالى اصبحت كسولة.

ظلت تبرر لزوجها موقفها مع محاولات لإقناعه بارتداء احد المعاطف القديمة، ولكن زوجها كان قد جن جنونه وبدأ صوته يعلو أكثر وأكثر ... ولا تتذكر ماهي سوى انه دفعها من أمامه وهي تحاول تهدئته ... فإنزلقت رجلها من على الدرج وأفاقت في المشفى لتبلغها الممرضة بأنها قد فقدت جنينها.

بكت ماهي كما لم تبك من قبل ... بكت كل سنين عمرها ... بكت طفولتها ... مراهقتها ... شبابها ... طفلها الذي دفنته بيدها ... وكل الذكريات تمر امامها كشريط سينمائي.  لم تقو ماهي على إكمال حياتها مع قاتل جنينها ... فتم الطلاق ومن ثم الزواج الخامس والطلاق إبضآ كان مصيرها.

لقد تزوجت ماهي خمسة زيجات فاشلة من ثلاثة رجال ... ولم يكن لها سوى غرض واحد فقط، وهو أن تصبح أمآ وتشبع منابع الأمومة داخلها ... كل تلك الزيجات مرت في عمرها وهى لم تتعد السابعة والثلاثون.

نظرة المجتمع القاسية تتهمها بأنها أمرأة سيئة متعددة الزيجات، وفاشلة في الأحتفاظ بزوج. وينظرون لها على أنها أمرأة لها ماضي، تبدل أزواجها كما تبدل أحذيتها ... ولا يرون كعادتهم ما خلف الأسوار وينسون أنه القدر ..

مجتمع سطحي يتهمها في أخلاقها ..

وهي لا تفعل شئ سوى ما حلله لها شرع ربنا.

(إلى اللقاء فى الجزء الثالث يوم الخميس القادم لنرى ماذا ستفعل ماهى مع المجتمع الأحمق)

 غادة بدر