#غصون_روحى ترسم: لوحة

كتب بواسطة: غصون روحى في . القسم ادب


أمام لوحة لم تكتمل معانيها بعد جلست تلك الفتاة، و بعينين زرقاويتين واسعتين راحت تتأمل الرسم على اللوحة، والذي بدا وكأنه وجه لرجل لم تتضح ملامحه. 

حركت زاويتي شفتيها لترسم تعبيراً أشبه بإبتسامة لم تكتمل هي الأخرى كتلك اللوحة ..

تناولت الفرشاة والألوان بجانبها وعادت تكمل رسم الملامح على وجه ذلك الشخص، وأشياء أخرى من حوله أرادت إضافتها، فهي جزء مازال يكبر في مخيلتها كلما إزداد عمرها سنة أخرى.

هذا ماكانت تفعله تلك الفتاة منذ العاشرة من عمرها، منذ أن خفق قلبها لذلك الشخص الذي يشبه المرسوم في اللوحة بالنسبة لها. بدأت ترسم لوحة الحب هذه كما أسمتها ذات يوم، عندما كانت تحدث صديقتها عنه حيث قالت : هذا هو ، وهكذا حبي له كما في هذه اللوحة.

أخذتها من مخيلتها وألصقتها على ورقة بيضاء، ليصبح ذلك الوجه المرسوم من الوان أختارتها هي ... وتلك الأزهار والسماء الماطرة من خلفه رمزاً لذلك الشخص، الذي كانت قليلا ماتراه، وتعبيراً عن حبها الصادق المخفي تجاهه.

وذات يوم، كانت قد تجاوزت فيه العشرين من عمرها، قررت أن تحول تلك اللوحة الى حقيقة، وصنعت صدفة غريبة لتلتقي به .. جلست معه على طاولة مستديرة في مطعم فاخر بقرب النافدة، التي كانت تطل على شارع واسع لايكاد يخلو من المارة، على الرغم من المطر الغزير الذي هطل ذلك اليوم.

هكذا كانت تحلم وبدأ الحلم وكأنه سيصبح حقيقة ، نظرت اليه .. تأملت وجهه قليلاً وبدأت تقارنه بذلك الوجه الذى في اللوحة، كان يشبهه الى حد ما. بدأ بالتحدث وكان صوته جهوراً لايتناسب مع عمره، وعندما هما بالأكل كانت له طريقته الخاصة والتي بدت لها مختلقة تماماً عما تخيلته.

سارعت بالنظر من خلال النافذة وتنهدت قليلاً ثم قالت : أحب المطر ، رائحته تلك تمدني بشيء من المشاعر الدافئة والأمل الجميل، وصوت قطراته المتسارعة يحرك بداخلي الإحساس بالسعادة والحب، أنه أجمل حتى من معزوفات بتهوفن ... هل تحب المطر ؟

سألت ذلك والتفتت أليه وهو يتناول كوباً من الماء ويبدأ شربه بسرعة مصدر صوتاً مزعجاً أستفزها، ثم قال حالما أفرغ من الكوب : أنا ! نعم أنه جميل ... لكن كلما تذكرت ذلك الطين الذي يلتصق بحذائي بسبب الشوارع المبلله، وقطراته التي تبلل ثيابي والأزدحام الذي يجعلني أتأخر عن عملي أتمنى ألا تمطر أبداً.
لم يعجبها كلامه ذلك، فهي ترى المطر جميلاً وحسب، وتتمنى ألايتوقف عن الهطول.

وما أن أنتهيا من تناول الطعام دفع الفاتورة على عجل متغافلاً عن دفع البقشيش للنادل، خرجا وكان يحمل مظلة فتحها حالما وصلا الى عتبة باب المطعم، ظنت أنه سيتركها لها لتقيها من المطر ولكنه لم يفعل، بل أنه ودعها متمنياً أن يلتقيا مرة أخرى وذهب يستأجر سيارة لتوصله لمكان عمله !!

فاجئها كثيراً أنه حتى لم يفكر فى استئجار سيارة لها توصلها للمنزل قبل ذهابه ... تأملته وهو يصعد الى المقعد الأمامي للسيارة، وتنهدت الصعداء وقد انتابها شعور بخيبة الأمل.

حالما عادت الى المنزل اتجهت الى الجدار حيث كانت تعلق اللوحة، وبنظرات حزينة راحت تتأملها، بعمق أكثر مما سبق.

أدركت أن الملامح متشابهة أما المضمون فهو مختلف تماماً ..

أنزلت اللوحة عن الجدار وألقت بها بعيداً.

غضون روحى