#غادة_بدر تكتب عن: ماهي وأزواجها الخمسة (1)

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم ادب

 

رأيتها فأحببتها ... فطلتها البهية تجعلها تدخل قلبك بدون اي إستئذان، وكيف لا وهي الجميلة الهيفاء ذات الحسن والدلال ... فعندما تسمع صوتها الناعم الساحر تتمنى أن ترى صاحبته، وعندما ترى صاحبتة ذات الوجه الملائكي تتمنى أن تري قلبها، وعندما تري قلبها البرئ العامر بالخير لا يسعك سوى ان تذوب فيها عشقآ ... سواء كنت رجلا او سيدة ..

ولكنك قطعآ ستقف مصدومآ أمام هذا الكم من "حزن السنين" الذي يطل عليك من عينيها، وتتسأل بين نفسك من هذا الذي واتته شجاعتة على أن يدمي هذا القلب الملائكي....

لم تكن "ماهي" وجهآ ملائكيا فقط ... ولكن العلم كان شغفها الشغوف مما أدى الى تفوقها الدراسي على كل زملائها في المدرسة الفرنسية الشهيرة، فجعل المسئولين في المدرسة يختارونها بالأسم عدة مرات للسفر الي فرنسا والجزائر وعدة دول أخرى ناطقة باللغة الفرنسية، لتمثيلهم في بعثات التبادل الثقافي بين المدارس.

شعرت والدة ماهي ان تطلعات ابنتها تنمو وتكبر يومآ بعد يوم، وعلى الرغم من كونها كانت فخرآ لها في محيط العائلة، إلا أن ذلك لم يمنعها من القلق عليها من تطلعاتها العلمية، فقد خافت الأم أن توهب ماهي نفسها للعلم وتنسى الأنثى بداخلها، فقد كان زواج البنت وسترتها هو النهاية الطبيعية لأي بنت في الحياة من وجهة نظر الأم.

نامت فايزة بعد ان اطمئنت على أن ابنتها قد دخلت فراشها في بلاد الغربة ... وفي منتصف الليل أستيقظت من نومها مذعورة، فقد رأت كابوسآ تظهر فيه ماهي عروس وفي يدها زوجا ليس من دينها ولا ملتها ... زوجآ من بلاد غريبة عنهم تمامآ. فلقد فاجئتها ماهي بأنها قد عادت من فرنسا وفي يدها رجل فرنسي تريد الزواج به ... جرت فايزة على التليفون وتحدثت مع أبنتها في فرنسا، واصرت على ان تقطع رحلتها والعودة فورا الي الوطن.

استغربت ماهي موقف والدتها، فهى لم تري أمها ابدا بهذا الأصرار والصمود، فمنذ وفاة والدها وهي لا تشعر ان امها ... اما فقط. ... فقد كانت لها الأم والأب والصديقة والأخت ... انها تعلم علم اليقين ان امها تحبها وتخاف عليها خوفآ جمآ وتريد لها الستر، فهذا هو الدعاء الذي كانت تسمعه ماهي كل يوم من أمها خلال صلواتها الخمسة .. لذلك تعجبت ماهي من إصرار أمها، فلطالما كانت تنجح في اقناعها بما كانت تريده، فى دقائق معدودات كفيلة بتليين دماغ الأم ورضوخها لكل ما كانت تطلبه منها.

ودعت ماهي زملائها في البعثة على مضض وقطعت رحلتها عائدة الأدراج الي القاهرة. خائبة الأمال . وهنا كانت المفاجئة التي لم تتوقعها. فماهي، على الرغم من صغر سنها، كان الخطاب كانوا يتهافتون على بابهم كل يوم، وبالتحديد منذ أن أكملت عامها السادس عشر – فقد كانت وارثة لجمالها الأخاذ عن جدتها التركية، فشعرها الأصفر وبياضها الناصع وإتقانها التحدث باللهجة الفرنسية كان يجعل الكثير من الفرنسين أنفسهم يعتقدون أنها فرنسية الأصل.

ولكن لم يكن جمال ماهي هو السبب الوحيد في تهافت طلاب الود، ولكن أشتهارها بين العائلة بالأدب الجم والتفوق والنبوغ الدراسي كان هو الأهم ... فما كان من الأم سوى مراجعة دفتر أسماء طالبين الود والنسب المنتظرين على الباب، واختيار أفضل العرسان ليكون زوجآ لماهي.

وتلك كانت المفاجأة التى لم تتوقعها ماهى، فقد وقع أختيار الأم على احمد، فهو شاب وسيم ثري وريث لشركة أبيه مكتمل المواصفات، لا يمكن لأي فتاة عاقلة أن ترفضه، من وجهة نظرها.. وبالفعل نامت الأم وهدأ بالها بعد ان استقر اختيارها على زوج المستقبل لإبنتها.

وما أن هبطت ماهي الي أرض المطار وإتجهت إلي أمها، حتى وقفت حائرة زائغة النظرات بين امها والشاب الوسيم الذي يقف بجانبها ويحدثها ... وقامت أمها بمهمة تعريفها بأحمد وبمركزه الأجتماعي، و ظلت ماهى حائرة مع كل تلك الحفاوة التي وجدتها من أمها عند تعريفها بهذا الغريب، وظلت تتسائل عمن يكون هذا الشخص بالنسبة لعائلتهم الصغيرة. فلم تعتد ماهي من أمها مخالطة الغرباء. وما استعجبت له ماهى اكثر ان امها قد جاءت برفقة هذا الشاب في سيارته الفاخرة وحدهم !!

ولم يكتف أحمد بتوصيلهم إلي المنزل، ولكن دعته أمها لتناول وجبة الغذاء معهما ... مما أثار دهشة ماهي أكثر، فهى لم تتعود من امها على دعوة الغرباء إلي منزلهم أيضآ ... ولكن في ذات الوقت فرحت بينها وبين نفسها كثيرآ فقد شعرت أن أمها المنغلقة قد تفتحت كثيرآ في بضعة الأيام التي تركتها فيها وحيدة أثناء سفرها.
لم يكن احمد ابدا بالشاب الثقيل الدم، وكان حقآ شخصا لطيف حلو الحديث، مما أضاف على وجبة غذائها الملولة مع أمها نكهة من الحياة.

وبعد ان ودعهم احمد بدأت ماهي تمطر الأم بالأسئلة .. من هذا؟ ... ما صلته بهما؟ ... لماذا اتي معها؟ ..
وما هي الا لحظات حتى انهارت فايزة ولم تتمكن من ابقاء السر بداخلها، فسرعان ما صارحت ابنتها بأن احمد هو زوج المستقبل !!.

كان وقع الخبر علىها بالمفاجأة القاسبة، فقد كان الزواج في هذا السن هو اخر ما تفكر فيه - نعم أحمد شاب لطيف حلو الحديث لتتخذه صديقاً للعائلة ليس أكثر من ذلك- ولكن كان لماهي أحلامآ وأمالآ أخرى، فقد كان كل املها في الحياة ان تكمل تعليمها وتصبح طبيبة تعالج المرضى وتجوب البلاد وسط القوافل الطبية لتبحث عن الحالات المستعصية وتعالجها.

قد كانت ماهي حقآ عاشقة للسفر و الترحال وحب المغامرة ... هذا ما رأت فيه نفسها اولا، ثم بعد ذلك تأتي مرحلة الزواج وتكوين العائلة على مهل.

قد كانت ماهي ترى نفسها صغيرة جدا على الزواج ولازال أمامها الكثير لتفعله في حياتها، فهى بالفعل كانت مجرد طفلة في السابعة عشرة من عمرها.

ولأول مرة فى هذا المنزل الذي كان يسوده المرح والحب والحياة، زاره الشجار والشجن والبكاء ... فلقد اصرت فايزة على زواج أحمد من ماهي، وعاندت ماهي أمها وأعلنت الرفض التام ... ليس لشخص أحمد ولكن لمبدأ الزواج من أساسه.

أستخدمت الأم كل السبل لإقناع أبنتها بالزواج من أحمد، تارة بالإقناع بمميزاته ووسامته التي قطعآ سيحسدها عليها الكثير من زميلاتها في المدرسة، وتارة أخرى بالتهديد والوعيد ... ثم اخيراً بإدعاء المرض والطلب من ماهي تحقيق أمنيتها الوحيدة في أن ترى أحفادها قبل أن تموت.

وكان لابد في النهاية للقوي المحنك ان ينتصر على الضعيف.

تزوجت ماهي وكانت اجمل عروس في أجمل ليلة قاهرية ... سنوات العمر تمضي بها سريعآ ... وامها تطاردها كل يوم بنفس السؤال: متي يا ماهي ؟؟؟ متى سأرى أحفادي وأحملهم بين يدي ؟؟ بينماماهي لاهيه، تارة منشغلة بدروسها تريد ان تنهي دراستها الجامعية ... فقد تخلت عن حلمها في أن تكون طبيبة ولكنها لن تتخلى أبدآ عن أن تكون أستاذه في الأدب الفرنسي - وتارة اخرى ملتهية بحياتها الزوجية ومشاكلها مع زوجها .. فلا ترى ما تراه أمها من تأخرها في الأنجاب.

ثم فجاءه تتذكر ماهي انها خلال 24 ساعة ستتم عامها السادس والعشرين، فلقد مر على زواجها تسعة اعوام كاملة... تفكر ماهي بالفعل أن امها محقة في قلقها، فتبدأ في مراجعة الطبيب، والذي يفاجئها بأنها بالفعل لديها مشاكل في الأنجاب، وان فرصها في الأنجاب ضعيفة او تكاد ان تقترب من العدم.

وبدأت الجميلة ماهي تذوي وتذبل ولا تحتمل الكثير من سقطات زوجها، التي كانت لا تقف عندها كثيرا في الماضي ... فقد كانت في الماضي تشعر بأنها كاملة الأنوثة ولكن اليوم تشعر بأن أنوثتها منتقصة. فبدأت تدور في حلقة مفرغة من المشاحنات الزوجية. ولأول مرة تنتبه الي ان زوجها شخص أناني لا يحب سوى نفسه فقط – مغرور بذاته يدور في فلكه. ومع احتدام المشاكل بينهما وعدم سعة صدرها كالسابق، وقع اول طلاق بينهم ... ولكن سرعان ما ردها أحمد له فلم يكن يقوى على فراقها يومآ.

استيقظت ماهي يومآ فوجدت أحمد قد نسى هاتفه النقال في المنزل ... ولأول مرة تعبث به ففؤجئت برسائل الواتسب بين أحمد واحدى الفتيات، والتي تطالبه فيها بأن يرسل النفقة الشهرية لأبنه !!
لم تتمالك ماهي نفسها وافاقت على يد خادمتها وامها من حولها والكل يسألها عما حدث ... ظلت تصرخ ونولول فزوجها لدية طفل سيتم عامه الخامس ... ان زوجها يخدعها ويكذب عليها لأكثر من خمسة أعوام ... يخدعها ويخونها قبل ان يتأكد من عدم قدرتها على الأنجاب.

لم تتمالك نفسها مره اخرى ... وفي هذة المرة عندما افاقت من أغمائتها وجدته امامها بشحمه ولحمه فقد استدعته امها. أغلق احمد الباب عليهم وبدأ الصراخ يعلو بينهما الي ان وقع الطلاق الثاني، بعد أحدى عشر عاماً من الزواج ... وما هي إلا إيام معدودات حتى اعادها احمد الي عصمته مرة ثانية، ولم تقوي ماهي على الرفض على الرغم من معارضة امها لرجوعها اليه، فقد شعرت الأم ان ابنتها قد اصبحت سلعة رخيصة عند أحمد فهي عقيم لا قيمة لها. ولكن ماهي لم تحتمل آلام الفراق، فقد اصبح احمد كالدماء التي تسري في عروقها.

الأيام تمر واحمد يفرض الواقع على ماهي ... فبكل بجاحة وغرور يأتي أحمد بأبنه لتقوم ماهي بتربيته وتنشئته، فقد كانت امه مجرد نزوة من نزوات أحمد واحمد لا يريد لفلذة كبدة ان تقوم بتربيته نزوة ... فيأتي بأبنه لمن يأمن أخلاقها ويشعر بانها الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يأتمنه على تنشئة ابنه.

رضخت ماهي لأحمد، وتاحتضنت ابنه، فهى لا تقوي على الرفض او الأعتراض ... فهي عقيم لا قيمة لها وبالتالى قررت ان تفني حياتها بينهم.

تستيقظ يومآ أخر في منتصف الليل تبحث عن أحمد، فلا تجده بجانبها، واخيراً تسمع همسآ يأتي من بهو المكتب ... تتصنت ماهي فتجد احمد ينطق بكلمات الحب والهيام التي طالما اشتاقت لسماعها منه في الأعوام الأخيرة – سمعتها يبثها لفتاة أخرى بالهاتف.

تظل ماهى تصرخ وتصرخ ويوقفها أحمد بصفعة على وجهها ... يتلوها الطلاق الثالث !! وهكذا اصبحت ماهي محرمة على احمد بعد عشرة ثلاثة عشر عام.
رجعت ماهي الي منزل امها ... حطام امرأة لم تتخيل انها تقوي على الحياه يومآ بدون احمد ... تتذكر يوم ان خرجت من هذا المنزل طفلة عابثة المرح يسبقها، لم تتعد السابعة عشرة من عمرها، وها اليوم تعود الي نفس غرفتها ... مطلقة في الثلاثين من عمرها ..

حطام امرأة ...
عادت خاوية اليدين ... لا شئ معها سوى ذكريات واطياف حزينة تطل عليها من الماضي البعيد ...
نعم .. فلقد اصبح احمد ماضي الأن ولا يحق لها التفكير فيه.

(إلى اللقاء فى الجزء الثانى يوم الخميس القادم)

غادة بدر