#غادة_بدر تكتب: خالد .. قلب لم يكتمل (11)

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم ادب

 

حكم السنين علي وعليك انكتب
مش ح سألك مين اللي اشترى ومين اللي باع
من النهاردة انت في طريق وانا في طريق

خالد

وكأن القدر أراد له أن يعيش حياته كلها محبوسآ داخل صندوق الذكريات – فباتات صومعته هي ملاذه الوحيد ... بابها مغلق دائمآ بالمفتاح ... لا يفتحه خالد إلا مرة واحدة فى اليوم، ليأخذ صينية الطعام التي تتركها له هالة في الصباح الباكر قبل ذهابها للعمل.

يتطلع خالد في مرآتة، وهو في طريق العودة إلي سريره، ليدفن بداخله أحلامآ باتت سراباً .... فهاله ما رآه في المرآه، فهو بالكاد تعرف على نفسه، فقد طال شعر رأسه وملاءه الشيب - ولحقه شعر لحيته. 

شعر خالد أنه الآن أقرب لإنسان الغابة، لكنه لا يتذكر المدة التى مرت عليه وهو بهذه الحالة؟ أسبوع؟ شهر؟ .. لا ... بل ستة أشهر بالتمام والكمال وهو في عداد الأموات – وبالتحديد منذ أن تركت له ندا الرسالة المشئومة على مكتبه.

تلك الرسالة المشئومة قرأها خالد عدة مرات، عله يجد بين السطور أي بشرة أمل يستمد منها الحياة، لكنه لم يجد بين يديه سوى الحقيقة المرة، وهو أن ندا قررت أن تنسحب من حياته هكذا وبكل بساطة.

إنطلق حالد مفكراً:

"لو لم تكن ابنتى سارة بحاجة إليّ لكان الموت هو سبيلي الوحيد ... فلا معنى لحياتي بدون ندا – كنت أعلم أنها لا تحمل لي سوى مشاعر الأخوة، وأن مشاعري كانت من طرف واحد، ولكن ألم تعتبرني يومآ أخاها الذي لم تلده أمها ... ألم تعتبرني سنداً لها في غربتنا ... فكيف هان عليها الود الذي بيننا؟ ..

أعلم أنني أرتكبت خطأ بإعترافي بحبي لها ... وأعلم أيضآ انه لاصدى لحبي بداخلها.

أشعر أنها تحب زوجها وتحترمه، على الرغم من مشاكلها العديدة معه، فهى لم تسمح لنا يومآ بالتطاول عليه، كما أعلم أيضآ أن أخلاق الرقيقة ندا لا تتحمل خطأمثل هذا.لكن لي في ذلك عذر، فقلبي ليس بيدي .. قلبي لم يعد يحتمل كل هذا الحب بداخله، ومنذ متي كانت قلوبنا بأيدينا ... فكيف هان لها الرحيل عن حياتي هكذا"

شريط الذكريات يمر أمام خالد فيتذكر ...

"بعد أعترافي بحبي لها بالمطعم وصلتني في اليوم التالي رسالة منها تخبرني أنني لن أراها مرة أخرى، وأنها سترحل من حياتنا .... ألقيت الرسالة أرضآ وجريت كالمجنون أبحث عنها في المشفى، وفوجئت أنها قدمت إستقالتها – هاتفتها فوجدت هاتفها مغلقاً.

كنت أعلم عنوان منزلها ... فقد كانت ندا، عندما تغيب عن منزلنا في نهاية الأسبوع، أشعر أن شمس حياتي تغرب والظلام يحيط بي من كل مكان .. فأستوحشها وأشتاق إليها ولا أقوى على إنتظار انتهاء عطلة نهاية الأسبوع، وبالتالى كنت اتسلل من منزلي خلسة وأذهب إليها، فأمكث في سيارتي تحت شرفة غرفتها ... أنتظر أن تطل منها شمس حياتي أو المحها خارجة من باب بهو المنزل للجلوس في الحديقة للقراءة، فتدفئني أشعة طلتها وتمدني بطاقة جديده تساعدني على الأنتظار حتى شروق شمسها من جديد في منزلنا.

ركبت سيارتي متجهآ إلي منزل ندا، وفي الطريق لاحقتني الأسئلة ... ماذا لو فتح الباب إيهاب زوجها وسألني ماذا أريد؟؟؟ بماذا سأجيبه ساعتها؟ .. جهزت نفسي كي يكون ردي حاضرآ، وهي أن إدارة المشفى تريد إمضاء ندا على بعض أوراق الإستقاله، وهكذا طرقت باب منزلها وانا حاضر الذهن لأي سؤال ...

وبالفعل فتح زوجها الباب، وعندما تطلعت إلي وجهه هالني ما رأيت، فقد كان إيهاب يبجو وكأنه خارج للتو من قبوه .... نظر إلى وكأنه يعرفني ... قدمت له نفسي وقبل أن أكمل حديثي قاطعني قائلاً: إن من جئت أبحث عنها ليست هنا - فندا سافرت ورحلت ... وصفق الباب في وجهي.

 

هالة

دخل خالد الصومعة وأنسحب من حياتنا مرة اخرى، ولكنى أعلم جيدآ أن هذه المره ليست كالأخرى ... فخالد أصبح كالكتاب المفتوح أمامي، أشعر بكل أنفاسه وأتوقع ردود أفعاله ... فخالد الذي عرفته ظهراً عن قلب لن يعود مره أخرى.

ذهبت إلى منزل ندا لأبحث عنها، بعد أن وجدت الرسالة ملقاة على الأرض ... وبحثت عن زوجي فوجدته ثد دخل صومعته من جديد معلنآ حالة الطوارىء غالقآ الباب بالمفتاح ... لم يكن أمامي سوى الذهاب لندا لتغيثني - قابلني إيهاب عند الباب ... سمح لي بالدخول من دون أن أنبس بكلمة، وكأنه كان في انتظار قدومي .. عرفته بنفسي وعجبت من كونه كان يعرفني جيدآ ... فلم يسبق لنا التعارف من قبل. 

أخبرني أن ندا سافرت ... ثم فجاءة انفجر إيهاب في البكاء أمامي ... الوحش الكاسر يبكي لأعيدها إليه ... الوحش الكاسر يترجاني ... إذآ الحبيبة لم تتركنا نحن وحدنا فقط بل تركت كل شئ ورائها ... حكى لي إيهاب كيف طلبت منه الطلاق ... وكيف لبى لها  طلبها، قال لي بالحرف الواحد: إن نظرة واحدة في عين ندا ورؤية أصرارها على طلب الطلاق جعلني أتأكد أنه قرار لا رجعة فيه، وهكذا أجبتها طلبها وطلقتها.

انا هالة زوجة الدكتور خالد ... سافرت وراء ندا وبمحض أرادتي وبدون أي ضغوط من أحد ... سافرت إلى الحبيبة لأقنعها أن تعود لنا ... تعود لي ولزوجي ... وليس لزوجها كما طلب مني أيهاب ... تعود لأجلنا، تعود لتتزوج خالد حبيبي وزوجي وكل ما أمتلك في هذه الحياة ... ونعيش معآ ثلاثتنا كما عشنا من قبل.

ولكن ندا فاجئتني برفضها القاطع للرجوع معي ... فاجئتني ... بالرغم من الحب الطالل من عينيها، عندما دققت النظر فيهما تأكد لي أنها عاشقة لخالد حتى الثمالة ... بكت ندا وأخذتني في حضنها، وكانت هذه أخر مرة أرى ندا فيها.

رجعت إلى خالد وانا أجرجر أذيال الخيبة – حائرة وانا أرى نظراته التي يكسوها الحزن -  لا أعرف ما أقوله له ... هل أصارحه أن ندا رفضت أن تعود لنا -  لم تمهلني هالة الحزن المحيطه بوجهي فرصة للحكي،  فقد كانت ملامح وجهي أبلغ رسول ... تركني خالد في بهو منزلنا وأغلق الباب خلفه ... رجعت وكل ما معي هو ورقة صغيرة بها رقم الهاتف النقال لندا بالوطن ...  أعطته الحبيبه لي لنطمئنها على أخبارنا بين الحين والآخر.

ظل خالد على حالة أكثر من عشرة أشهر ... لم يسعني إزاء ذلك سوي تقديم إجازة بدون مرتب لخالد من المشفى، وأكملت حياتي كأي أرملة فقدت زوجها ... فخالد زوجي بالفعل أصبح في تعداد الموتى - فاقدآ لأي معنى للحياة.

وبعد مرور عشرة أشهر خرج خالد أخيرآ من صومعتة ... أخرجته أيضآ ندا ... لم تكن ندا بالفعل بل كانت رسالة منها – كانت رسالة ندا مختصره جدآ تحتوي على موعد إجراء عملية القلب البديل لسارة، وداخل المغلف شيك بكامل تكلفة العملية.

خرج خالد للحياة ولم يخرج ... فقد خرج بجسده وظلت روحه حبيسة الجدران  - فروح حبيبي أصبحت معلقة داخل صندوق ذكرياته للأبد.

أعطيت خالد رقم هاتف ندا ليشكرها لعلى وعسى أن تلين ندا عند سماعها صوت خالد فتعود إلينا ... للأسف خذلته ندا ورفضت العودة، ولكنها سمحت له بأن يهاتفها مرة واحدة كل عام  – وكأنها أرادت أن تعطي له سببآ للحياة.

حددت ندا اليوم الذي سيحدثها خالد فيه هاتفيآ ... وهو يوم مولده ... سيخبرها خالد عن أحوالنا وتطمئنه هي في نفس الوقت عما آلت إليه أحوالها – كأي أخ يطمئن على أخته.

وهكذا صفقت ندا أخر أبواب الأمل في وجهنا.

 

ندا

لم يترك حب خالد لي وحبي له خيارآ آخر، فلم يكن أمامي سوى الهروب من حياتي كلها وترك كل شئ خلفي ... نعم أحببت خالد ولكني لن أكون أبدآ خائنة ولا في الخيال حتى.

رجعت يومها لإيهاب طالبة منه الطلاق وأصررت عليه ... دموع إيهاب فاجئتني وأوقعتني في حيرة ... فلم أكن أعلم أن أيهاب يحبني كل هذا الحب. لقد أحبني إيهاب بطريقته التي لم أفهمها قط. أيهاب يا زوجي العزيز ... أين كانت دموعك هذه ؟... أين كان كل هذا الحب الذي أراه الآن في عينيك، التي لم ارى فيهم سوى قسوتك من قبل؟ لماذا يا زوجي تركتني أضيع من بين يديك ... لماذا الآن فقط أرى الدمع الغالي يذرف لأجلي ؟ ... وأنا من تمنت يومآ أن تدفئها بحضنك.

يا الله ...  تبكي ندا وتقول فى نفسها:

"كم من ليالي اشتقت فيها للمسة من حنانك ... أسفة يا زوجي فلقد تأخرت كثيرآ، فلم يعد قلبي ملكآ لي"

سافرت وتركت كل شئ خلفي ... خائفة أن أنظر خلفي فأتراجع في أخر لحظة ... وعندما جاءتني هالة تستحلفني بكل ذكرياتنا معآ - لكي أعود معها ترددت للحظات ... ولكنني لم أعد لأجلها هي ...  لم ارد أن اخون صديقة العمر ... ان هالة هي أختي التي لم تلدها أمي ... لن اخون من فتحت لي بيتها وكانت لي أكثر من أخت في يومآ ما.

هالة يا حبيبتي يظن قلبك الطيب أننا سنكون كما كنا سابقآ ... ثلاثتنا ... لا يا صديقتي العزيزة، لو تزوجت خالد ستكرهيني حتمآ دون أن تدري ... أتحلمين يا هالة  أن حياتنا ستعود كسابقتها؟ ... لا يا صديقة العمر الحقيقي ... فسيكون خالد دائمآ بيننا – سيكون يومها خالد زوجآ لي إيضآ ...  سيكون لي الكثير من الحقوق عليه.

هالة حبيبتي أستتحملين أن أشاركك فيه جسديآ ؟ ...  بالقطع لا.

هالة يا حبيبة القلب  – سيكون لنا لحظات رومانسية أنا وخالد فقط – وحدنا دونك ..

سيكون لي أولاد من خالد -  إولادي أنا فقط من خالد، وبالتأكيد سأحبهم أكثر من سارة ... أستتحمل سارة هذا؟ ... بالقطع لا.

أخاف عليكي ألا يحتمل قلبك كل هذه الآلام ... ولذا رفضت أن أعود من أجلك أنتي فقط.

سأحاول يا صديقتي أن أعيش من جديد ... سأحاول أن أعيش من دونكم ... فأنا كنت أحيا في ظل حياتكم .... أحلم كل يوم بأحلامكم .. أعيش في ثناياه حياتكم.

وهكذا قررت وبكامل أرادتي ألا تكونوا في حياتي سوي كل ذكرياتي الجميلة من الماضي.

سأحاول أن الملم من شتات نفسي ... فلربما أستطيع أن أبدأ من جديد.

----

تمت

 

غادة بدر