#غادة_بدر تكتب: خالد .. قلب لم يكتمل (10)

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم ادب

 

نعيش بالدنيا ونرضى بقدورنا... والحكم حكم الله رب العالمين مقدر لنا ومكتوب على جبيننا.

خالد

مر عام كامل على دخول ندا منزلنا ... أشعر به وكأنه كان بالأمس القريب ... فجأة تحول منزلي من قبو كئيب إلي جنة الخلد، حتى هالة زوجتي تغيرت.

لا أحد يمكنه أن يصدق أن هالة التي كان الجيران يسمعون صراخها كل يوم، صائحة بألفاظ تخجل أي إذن من سماعها، إصبحت تسبق كلماتها بـ "لو سمحت" ... وتنهيها بـ "بعد اذنك" ... أي والله. ولم يقتصر الأمر على ذلك، أنا بالفعل أكاد لا أعرفها، فقد غيرت ندا منها في هذا العام الكثير. أصبح من النادر أن أجدها تدخن السجائر، فهي تستحي التدخين إمام الرقيقه ندا.

وهكذا الأقدار تسير بنا، ففي ليلة وضحاها أصبحت ندا قدوة زوجتي – فهالة تقلدها في كل شئ - في ملبسها الأنيق - في طريقة حديثها – في رائحتها العطرة، ولم يقتصر الأمر على ذلك فبالأمس حدث موقف كاد أن يميتني ضحكاً ... كنت عائد من المشفى متأخرآ بعض الشئ، فوجدت ملاكي الصغير سارة ترتدي حذاءً ذو كعب عالي وتترنح به داخل منزلنا متضاحكة صائحة بصوت عالي: "أنا انطي ندا".

لقد أصبحت الضحكات تجلجل داخل منزلنا وكله بفضلها هي ... محبوبتي ...

نعم أحب ندا ... بل أذوب فيها عشقآ، أن حبي لها إعادني إلي الحياة مرة أخرى، جعلني إحب كل من حولي، حتى هالة زوجتي إيضآ أصابها من الحب نصيب .. أشعر أن لا أحد سيصدقني وأنني أصبحت كالمجنون الذى ينطق بالهوى. هذا ما حدث بالفعل، فقد كنت أذوب عشقآ في ندا وفي ذات الوقت أحب زوجتي ... نعم أحببت الإثنتين – ألم يسمع أحدكم عن رجل تزوج إثنين، وكان لكل منهما منزلة في قلبه. أنها حكمة الله سبحانه وتعالى، وإلا لما حلل لنا الزواج بأربعة نساء.

اليوم صباحاً رأيت ندا جالسة في سيارتها – إنتظرتها كي نسير سويآ حتى مدخل المشفى، فكل الزملاء يعلمون الآن أن ندا صديقة زوجتي الأنتيم – طال أنتظاري لها أكثر من ربع ساعة حتى لظننت أن هناك شئ ما حدث لها - مما دفعني للسير إلي سيارتها، نقرت زجاج المقعد المجاور لها – فهالني ما رأيت.

ندا الرقيقة تجلس في سيارتها ودموعها تنهمر دون توقف، في سرعة البرق فتحت الباب المجاور وجلست بجانبها، طلبت منها التحرك فورا فلا أريد لاحد من زملائنا أن يشاركني دموع ملاكي ... (أتمتم بين نفسي : بالتأكيد هذا المعتوه أيهاب قد تطاول عليها مرة أخرى).

قادت ندا السياره منصاعة لأوامري، فقد أعتادت أن تطيعني في كل شئ. تقود السيارة ولا تعرف أين تتجه – لم أكن انا أيضآ أعرف إلى إين انا ذاهب بها ... فلأول مرة نكون وحدنا انا وندا فقط ... فدائما ما كانت هالة تجمعنا.

فكرت كثيرا ... لو كانت هالة بالمنزل لذهبنا فورآ إليها، ولكن هالة في المدرسة وبالقطع لا يمكنها الإستئذان أثناء الحصص ... طلبت من ندا التوجه إلى مطعم على الخليج لطالما ذهب ثلاثتنا إليه لتناول العشاء ... فهذا المطعم يحمل لنا الكثير من الذكريات. كان المطعم خالياً من الزبائن فى تلك الفترة الصباحية فخلال يوم عمل. إخترت مائدة منعزلة وبدأت ندا منهارة كليآ لا تكف عن البكاء لحظة ... لا أحتمل بكاء الجميلة فأمسكت بيدها وقبلتها ... نعم قبلتها .. ولأول مرة تلمس شفتاي يدها الرقيقة ... اااااااه.... لكم حلمت كثيرآ بهذه اللحظة في خيالي ... قلبي يدق بعنف. أشعر أني أطير بين السحاب، فلم أكن أتخيل أن الحقيقة ستفوق روعة الخيال.

فجأة أجدني هامسا في أذنيها: لا تبكي يا حبيبة العمر فأنا أحبك ... بل أكثر من ذلك بكثير ... فأنا اذوب فيكي عشقآ ... تطلقي يا ملاكي من أيهاب.... تزوجيني ندا

هالة

أحببتها .. نعم أحببت ندا منذ اول يوم دخلت منزلي ... نعم أحببتها على الرغم من تأكدي أنها حبيبة زوجي، فلست بغبية حتى لا أكتشف أن ندا هي غريمتي ... لا تلوموني ولا تتهموني بالجنون، فكيف لي ألا أحب هذا الملاك الذي يرفرف ويسعد كل من حوله، لقد تمنيت يومآ أن أكرهها ... ولن أكذبكم قولاً أنني حاولت ... وفشلت. لم أستطع أن أكره من أنقذت حياتي، فهي من أعادت خالد إلي الحياة. ندا أخرجته من قوقعته بعد طول إنتظاري له أنا وأولادي.

في بداية تغير خالد وعودته لنا أعتقدت ... لا لم أعتقد ... تهيأ لي أن خالد قد عاد لي بأرادته، أو لأحتياجه لنا كعائلة، أو لربما لإكتشافه أن ما كان يعيشه من أحلام مع أميرة هي مجرد أحلام وأوهام، وان الحياة هي معي انا وأولادي. كل هذا تبخر في الهواء عند أول لقاء لي بندا وعند رؤيتي لها، لم تكن رؤيتي لها هى فقط ما جعلتني اتأكد أن هذا الملاك الشفاف هو من عشقه زوجي، ولكن كان كافياً أن أنظر لخالد وهو يتطلع إليها لتعرف أنه عاشق ولهان لهذه المخلوقة حتى الثمالة.

أول زيارة لندا أكتسبت فيها إحترامي وأعجابي بها لجم تواضعها معي وأخلاقها العالية التي لا تخطئها عين ... وبعد فترة قصيرة وجدت لزوجي كل الأعذار، فكيف له أن يقاوم حب هذا الملاك، فأنا نفسي قد وقعت في حبها ... نعم أحببتها.

كانت الفترة التالية لتعرفي على ندا من أصعب فترات حياتي، كان بداخلي صراع عنيف. أتذكر جيدآ هذه الأيام كأنها بالأمس القريب، فيومآ أصحو من نومي ناقمة على كل شئ في حياتي مع خالد وعلى ندا حتى إولادي لم يسلموا مني ... تهاتفني ندا على الهاتف لا أجيبها يحكيني خالد لا أرد عليه فداخلي بركان غضب كبير ... وندا تحتملني وتحتوتيني ... وخالد على غير العادة صبور على.

ويوم آخر أصحو من نومي أجدني أشتاق إليها، فإبحث عن هاتفي وإسارع لأهاتفها - نعم أهاتفها... وأغريها بالأصناف التي تعشقها فأصر على قدومها لمنزلي لنتناول معآ وجبة الغذاء انا وخالد وهي، وكيف لا أفعل ذلك ... فزوجي وحبيبي عندما يرى ندا يتحول إلى شخص آخر ... أسفة ... لا يتحول خالد إلي شخص أخر – أنه فقط يعود خالد الذي عرفته وعشقته فأراه من جديد محباً ... مرحاً ... عطوفاً.

الآن ... وبعد مرور عام كامل على تعرفي بندا .... أعترف أنني في هذا العام ألتصقت بها وأخذت منها الكثير ... فقد لمست بيدي ندا الإنسانة ... فأصبحت أختي وصديقتي، وفي بعض الأحيان أمي التي أشكو لها خالد عندما يغضبني فتنصرني عليه ... فأصبحت أنا من يطلب ندا وليست ندا من تأتيني.

عندما تذهب ندا للتصييف بلندن أو بشواطىء أوروبا مع زوجها ... تتركنا شهرآ كامل ... ثلاثون يومآ بالكمال والتمام ... وحدنا ... فيخيم على منزلنا السعيد الصمت الرهيب ونعود مره أخرى إلي الكآبة – لا خروج لا نزهات لا ضحكات - فأشتاق إليها بشدة - ولست وحدي من يشتاق إليها ... فمنزلي بكامله يشتاق إليها خالد ... الأولاد ... وحتى خادمتنا تشتاق إليها، فالبيت يرتدس زى الحداد حتى تعود الحبيبة محملة بالهدايا ... فنحن لا نفارق تفكيرها لحظة واحدة في أي مكان أو زمان.

يعتقد خالد أنه اذكي مخلوقات الله ... فهو يظن أنني غافلة عن حبه وعشقه لندا، كما أنه يعتقد أنني غبية كي أصدق أن حبه لها ... هو حب الأخ لأخته .... لا يا زوجي الحبيب، لا ياعمري الذي أنقضى ... فأنا أعلم انك عاشق ولهان لها. وأعلم أيضآ ما لا تعلمه أنت وندا ... فأنا أعلم أيضآ أن ندا عاشقة لك دون أن تدري. فأنا لست ببلهاء يا عمري ... ولكنني زوجة عشقت زوجها أكثر مما ينبغي.

ندا

الحياة مع إيهاب أصبحت لا تطاق ولا تحتمل .. أصبحت نهاية الأسبوع كالكابوس ... فلم يعد لدى القدرة على إحتمال أصدقاءه الغلاظ أكثر من ذلك ... فقدرتي على مسايرتهم ومجاملتهم تتضائل يومآ بعد يوم. أشعر وأنا معهم كأنني كائن فضائي هبط من عالمي إلي عالمهم ... عالم الأرقام والصفقات ... فأرتدي معهم القناع الذي يحبوه فأشعر به يحيط بوجهي خانقآ عنقي ... أتمنى بداخلي سرعة أنصرافهم حتى لا أختنق وأموت ... وعند رحيلهم أسارع إلي غرفتي لأحتمي بها، فأقوم بنزع القناع عن وجهي وإزالة الأصباغ منه .. لتعود لي ندا.

و زاد على ذلك أن إيهاب في الفترة الأخيرة أصبح يخنقني بكثرة تلميحاته حول علاقتي بهالة وتعلقي بها، كما أنه علق لي أكثر من مرة عن ظهور بعض الآثار السلبية المكتسبة حديثآ فى شخصيتي. فهو يرى هالة وأمثالها من "حثالة البشر" وبالتالى لن يصيبيني منهم سوى الوباء والمرض.

أصبح هروبي اليومي إلى منزل خالد ليس للترفيه ولكنه حاجة ملحة ... لكي أتنفس ... لكي أعيش ... نعم أهرب إلى خالد ...

ندا تتوقف لجظة: "هل أنا أهرب إلي منزل خالد أم أهرب إلي خالد؟"

ليلة كاملة لم تر عين ندا النوم خلالها ... تفكر وتفكر وفجاءه تكتشف ندا الحقيقة ... تكتشف أنها تحب خالد ... تحب ما يحبه وتكره ما يكرهه ... تسمع موسيقاه التي يعشقها ... تعشق إبتسامته ... تذوب في عينيه ... تخجل عندما ينظر إليها بحنان ... وتتمني أن يكون لها الحق يومآ فى أن ترتمي في حضنه كإبنته سارة. ... تفيق ندا على الحقيقة البشعة ... فلا صداقة بينها وبين خالد ...لا أخوة كما يدعون ... كل هذا هراء ... أنه الحب ... فندا باتت عاشقة له.

قضت ندا باقي ليلتها باكية دون أن تتوقف لحظة، فعندما رآها خالد تبكي في سيارتها لم تكن تبكي حظها العاثر مع إيهاب، أو بسبب مشكلة جديدة افتعلها زوجها كما ظن خالد، ولكنها كانت تبكي حبها له ... تبكي خيانتها للصديقة ... تبكي غدرها للأخت ... تبكي ثقة زوجها فيها ..

إن ندا كانت تبكي خسارتها لندا.

غادة بدر