#غادة_بدر تكتب: خالد .. قلب لم يكتمل (9)

كتب بواسطة: غادة بدر في . القسم ادب

 

إيهاب ... وأشقى الحروب هي حرب الأنسان مع نفسه

تعتقد ندا أنني قاسي القلب، وأنني أيضآ لا أحبها ... إنها حقآ لمحقة ... فأنا لا أحبها بل أعشقها.

تتهمني دائمآ أنني صرت سجيناً داخل صندوق حساباتي. أشعر أن زوجتي أصابها الزهايمر، فقد كثر نسيانها في الفتره الأخيرة، فجميلتي نست إن هذه الحسابات والأرقام هي من أسكنتها فيلا راقية يحسدها عليها الكثير من أبناء الجالية المصرية.

زحام الحياة جعل حبيبتي تنسى أيضآ أن صندوق حساباتي هو من سمح لها بإقتناء السيارة الفاخرة التي تقودها يوميآ للعمل وتتباهى بها أمام زملاءها – ندا حبيبتي ... أريد منك وقفة صدق مع النفس واسألي صديقتك الصدوق هالة، التي أعطيتيها كل مفاتيح أسرار حياتك:

متى إمتلكت صديقتك الصعلوكة تلك سيارة خاصة بها في هذه البلد؟

كم مرة ذهبت إلى المطعم لتناول العشاء الفاخر مع زوجها الدكتور خالد؟

كم مرة سافرت هي والدكتور لشواطئ أوروبا؟

أعرف جيدآ يا زوجتي أن هالة هي من تحشو رأسك الجميل بأفكارها العدوانية تجاهي، فأراك في العام الأخير تغيرتي كثيرآ يا حبيبتي ... أوقات كثيرة أشعر عندما أتطلع إليك أنك شخص أخر غير اللتي تزوجتها. أين ندا الرقيقة الحالمة من هذه السيدة المشحونة بنوبات غضب مكبوتة – نوبات غضب أراها محبوسة داخل عينيك الجميلتين –  أشعر بك يومآ بعد يوم وأنت تنقمين على حياتنا الرائعة.

حبيتي ندا لا تستخفي بكلماتي، فخبرتي في الحياة تفوقك بمراحل – فلم تقسو عليك الحياة كما قست علي- هذه القسوة جعلتني أعرف تمامآ أن طبقة هالة وأمثالها بداخلهم حقد دفين على كل من يفوقوهم في المستوى، فيحاولون بشتي الطرق أن يجدوا العيوب في حياتنا ليبرزوها، ليشعرونا دائمآ بتفوقهم علينا – هذا ما يسموه عندنا بالحقد الطبقي – ندا حبيبتي ... هالة وأمثالها كالكتاب المفتوح أمامي - فلم أولد كما يظنون وفي فمي معلقه ذهب.

يتنهد إيهاب ويسرح بعيدآ – بعيدآ جدآ ليصل إلي القاهرة وبالتحديد في شارع ضيق متفرع من شارع رئيسي – منزل بسيط ليس من منازل الفقراء بالقطع، ولكنه أيضآ ليس بمنازل الأغنياء – فلم تكن عائلة إيهاب بفقراء القوم أو من غير المتعلمين، فقد كان أبوه وأمه من فئة الموظفين المحترمين في زمن كان للوظيفة فيه شنة ورنة.

تعتبرني ندا في قرارة نفسها أني أبن عاق – كيف لها أن تحكم علي بذلك، فأبي وأمي لا يفارقان خيالى لحظة واحدة ... كان أبي جازاه الله كل خير يعمل بوظيفة حكومية محترمة يتقاضى منها راتبآ محترمآ ...  راتبآ لم نر خيره أبدآ. لم يكن أبي، المفترض أن يكون قدوتي الحسنة، سوى سكيرآ عاشقآ لكأسه، يصرف كل راتبه على مزاجه الخاص، وفي المساء يعود مترنحا إلي أمي الكادحة، التي تحاول بشتي الطرق أن تجمع شتات ما تبقى من حطام أسرة على وشك الضياع..  فإذا حاولت المسكينة أشراكه في أي من مشاكل حياتنا اليومية يفيق أبي المترنح من غفوته ويتحول إلى وحش كاسر له اليد العليا.

كنت وحيد أبواي، فلم تكرر الحبيبة تجربة الأنجاب مرة أخرى، فقد أبت أن تأتي للعالم بالمزيد من الأولاد ليكبروا معها على الذل والهوان، فيكيفيها ما أتلقاه يوميآ من ويلات على يد أبي.

يومآ بعد يوم أكبر وأحتياجاتي المادية تكبر معي، فأرى أبناء العم والخال يعيشون في بحبوحة من العيش، وأرى أيضآ محاولات أمي المستميتة لدفع أبي للمشاركة معها في الأعباء المنزلية، والتي بالطبع تضيع هباءً.  – كما أن دخلها الجيد من عملها لم يعد يكفي أحتياجاتي، وبالأخص بعد تفوقي الباهر الذي أهلني لدخول كلية الطب.

مواقف محفورة فى الذاكرة:

كان موقف أبي واضحاً من البداية، فقد عارض تمامآ إلتحاقي بكلية الطب، وأقترح علي تقديم أوراقي بكلية (علي قدنا) ... هكذا قالها ... فلتكن كلية التجارة، فأبي الحكيم كان يرى أن قصر عدد سنوات الدراسة بها سيساهم بالتأكيد في الأسراع من تخرجي، حتى أتمكن من إعالة نفسي بأسرع وقت، وكأنه كان مسئولآ عني في يوم من الأيام.

خوف الأب من دخول إيهاب لكلية الطب كان له مبرره ... سبع سنوات من الدراسة ليست بالشئ الهين ...  كما أن متطلبات الكلية على حد علمه ليست بالشئ القليل ... فخاف من أن يطمع أيهاب وأمه في أن يساهم معهم في بعض مصاريف الدراسة.

لم يكن الأمر هين لإقناع الوحش الكاسر وترويضه لقبول رغبتي، ولذا، وفي هذا الوقت، أتذكر جيدآ أنه كانت هناك معارك شبه يومية بين أبي من جهة وأنا وأمي من جهة أخرى، كان الأنتصار فيها في النهاية لي، وجاء ذلك بعد كتابتي تعهد موقع مني بعدم مطالبة أبي بأي مصاريف طوال سنوات الدراسة.

وبالتالى خلال الدراسة لم يكن لدي خياراً آخر سوى العمل كمساعد طبيب - اي بمعنى أصح أصبحت ممرضا أو تمرجيآ لدى أحدى الأطباء (سموه كما تريدون)، وهكذا ما كان علي خيار سوى بدء حياتي المهنية من الصفر – لم أكن يومأ فقيرآ ولكن أبي جزاه الله "كل خير" جعلني أعيش عمري كله اتسول كالفقراء.

تعاتبني ندا وتتهمني بالجحود، وتعتقد أنني لا أحب أبي وأمي – كيف لها الحكم علي بذلك؟ فأنا أرسل لهم كل ما يعوضهم عني، ولكن ما لم تفهميه أبداً يا زوجتي الحبيبة أنني غير قادر على النظر في عينيه ولا غفران أخطاء الماضي، فلقد دمرني أبي من الداخل – جعل مني آلة تعمل ليل نهار، ونحن في غير حاجة لذلك فدخله من راتبه كان يكفينا ويزيد.

ندا يا حبيبة القلب، كعادتك معي دائمآ تسارعين بإلقاء اللوم على ... لا أطلب منك سوى بعض اللحظات لتعيشيها معي بقلبك ... فلو كنتي يومآ أعطيتني أهتمامآ حقيقآ وأضعتي بعضآ من وقتك الثمين الذي تقضيه في منزل هالة صديقتك، وتعبثي بهاتفي الملقي أمامك طوال الوقت ... فليس لدى ما اخفيه عنك من أسرار مثل الكثير من الأزواج فإنتي ياحبيبتي سري الوحيد .... ساعتها ستكشفين كم أحب أمي وأعشقها، فأنا لا أبداء يومي أبداً دون أن أهاتفها واسمع دعائها لي.

قطعاً لم أهاتف أبي يومآ منذ أن "هربت" إلى الخليج ... نعم هربت يا ندا ولم تكن فرصة الخليج يسيل لها اللعاب كما أدعيت لك، فقد كانت فرصي داخل وطني أفضل بكثير، ولكنني فضلت فرصة الهروب فهربت من أبي .... هل يتحتم علي نسيان الماضي وغفران مذلته لي طيلة أعوامي الدراسية ؟! أو نسيان كيف كان أبي يتعمد تكليفي بأعمال منزلية إضافية حين يراني أستذكر دروسي ؟!

لقد جعلني أبي أعيش حياتي كلها كالهارب المطارد، فقد كنت أهرب من المنزل المفترض به أن يكون سكنآ لي، فأظل لساعات طويلة متسكعآ في الطرقات هائمآ مستذكرآ دروسي في المقاهي وعند الأصدقاء ... لن أنسى يا أبي ولن أهاتفك فأنا حقآ لست بملاك.

لقد أنهيت دراستي الجامعية وتفوقت حتى أدوس بأقدامي على كل من أستهزاء بي وقلل من شأني في الماضي.

يومآ ليس كباقي أيامي:

لم يكن أبدآ يومآ عاديآ في حياتي ... ليس لأنني استلمت فيه كتاب تعيين التدريس بالجامعة، ولكن لانني شاهدت ملاكي لأول مرة، فعاشت داخلي لأعوام كثيرة، انام واصحو أحلم بها ... حبيبتي لن يخطر ببالك العذاب والخوف الذي عانيته يوميآ من فقدك، فقد كنت أخاف أصحو يوما ولا أجدك.

قررت أن اطرق باب منزلكم وانا أقف على أرضية صلبة، فلا أترك مجالاً لرفضي. ولذا فقد طال طريقي، واصلت الليل بالنهار في التدريس صباحآ والعمل بالتجارة مساءً، حتى اختصر سنوات غربتي عنك. وهكذا تعلمت قيمة الوقت، وتعلمت أيضآ أن لكل شئ ثمن ... وفي النهاية كان لي ما أردت وتزوجتك.

أرى اللوم في عين الجميلة، عندما طلبت منها أن نؤجل الإنجاب لمدة ثلاثة أعوام – هل تعتقد ندا أنني لا أريد أطفالاً منها ... هل جنت حبيبتي؟ لا وألف لا ... فقط أردت إلتقاط بعض أنفاسي، أردت أن أعوض حياتي البائسة، أستمتع وأسافر معك إلي بلدان العالم نجوب شواطئها معآ. أردت الحياة التي لم أعشها- أردتها معك فقط – أحببت أن تستقر حياتنا ونقف على أرجلنا، وبعدها نبدأ في ترتيب حياتنا – أردت لأطفالي المجئ ويجدون أباهم في أنتظارهم مرحبآ بهم – لم أرد أن أتي بأطفال يتعذبون مثلي في الحياة.

أشعر في بعض الأحيان أن ندا لا تعرفني، فهي تعتقد أنني عاشق للسهرات والحفلات الصاخبة – بالتأكيد لا ... فهي تهلكني جسديا وفكريآ، ولكن كيف يتسنى لي عقد صفقات العمل – كيف لي أن أوفر لها ولأبناء المستقبل الحياة الرغدة – أعلم تمامآ أن أصدقائي ليسوا من نوعيتك الرقيقة ولكن هكذا هي حياة رجال الأعمال.

أنعكسات الماضي:

نشأت في بيت مظلم - الرجل فيه هو الحاكم الناهي بأمره – أرى أبي كل يوم يصيح صراخا في أمي المسكينة الخانعة – أكره أفعال أبي وأنتقدها وأدينه ليل نهار ...  ولكن - أه من كلمة لكن- ماذا تنتظرون مني ؟ فقد خلقت صورة مصغرة منه على الرغم من أنفي – لا أعلم حقآ ماذا يصيبني عندما تبدأ المسكينة في طرح أي مناقشة بيننا، فأشعر وقتها وقد مسني الجنون وابدأ في الصراخ المتصل.

لا إعلم بالفعل هل هي جيناتي الوراثية أم أن من شب على شئ شب عليه وصار منه، فقد كبرت وانا أرى أبي يعامل أمي كممسحة أرض .. أنني حقآ لا أصل بندا إلي تلك المرحلة، ولكنني أعلم أيضآ أنني أقسو عليها، فلا أسمح لها بإبداء رأيها، فلقد أصبحت أنا أيضآ الحاكم الناهي بأمره.

تغيظني ندا عندما تبدأ في وصلة البكاء، فأشعر وقتها وكأنني تزوجت طفلة صغيرة، فلا تطفئ دموعها ناري بل تزيدها اشتعالآ.

مر عام كامل على تعرف ندا بهالة زوجة الدكتور خالد، وأرى اليوم أمامي ندا جديدة  – اليوم أناقشها في أمر هام فتنظر لي ببرود وتتركني وترحل، وكأن الأمر لا يعنيها. وعندما أوقفها بيدي تنظر لي بلا مبالاة وتخبرني أنها أقتنعت بالفعل وأن كل ما أقوله صحيح مائة بالمائة !!

أقف أمامها فاتحآ فمي لا أجد ردآ عليها ... محدثآ نفسي: أنها طريقة جديدة يا زوجتي، يا ترى من علمك أياها؟ أصدقاءك الجدد  الذين يبتذون أموالك؟  إنهم حقآ لا يحبونك يا جميلتي انهم  عاشقون لهدايكي لهم – أراهم يخططون لأخذك مني، فإنتي بالقطع بالنسبة لهم .. لقطة.

زوجتي الحبيبه كان بإمكاني منعك في لمحة من البصر من زيارة هالة ... إلم تسألي نفسك ولو مرة واحدة، لماذا ياحبيبتي لم آمرك بقطع علاقتك معها ؟ مع تأكدي أنها من تغيرك من ناحيتى – لقد وافقت لأجلك أنتي فقط ... فلم أر السعادى تطل من عينيك الجميلتين إلا عندما صادقتيها ..

أعلمتِ الآن كم أعشقك؟

غادة بدر