#فادى_رمزى يكتب: دين الشجرة (2) - البعث

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم ادب

 

( لقراءة الجزء الاول إضغط هنا)

الوحيدة التى لم تقتنع بكل هذه الشعائر والتفاسير كانت الأم المتمردة، واولادها الذين نشاوا متمردين على كل مألوف ومفروض مثلها، كانوا مقتنعين ان الثمار بالفعل شافية، ولكنها ثمار قابلة للقطف من اى مخلوق وليس بالضرورة عذراء، يصادف دوما ان تكون حسناء. وما بالثمار من بذور يجعل فى الامكان اعادة زرعها، بدلا من ابقاء البذور فى المعبد، فى مكان خاص لا يدخله سوى الكهنة.

الطفل، الذى كان اول من يختبر ثمار تلك الشجرة، صار شابا مراهقا متقد الذكاء مثل امه، فإنطلق فى رحلة طويلة يبحث خلالها عن الإجابة فى اى من القرى او المدن التى يقال انها على الجانب الاخر من الجبال ... غاب كثيرا الابن ... لسنتين كاملتين، عاد بعدها ليجد القرية على حالها ولكنه بشر امه واخوته بانه قد وجد الاجابة.

اخرج من حقيبته بعض المعدات عجيبة الشكل، وابلغهم انه تعلم طرق العلاج الحديثة على يد احد اطباء المدينة البعيدة جدا عن القرية، بعيدة كمسافة وكثقافة، بفضل الطفرة الحضارية الكبيرة بين اهلها واهل قريته المحصورين حياتيا وفكريا بداخل تعاليم كهنتها.

بدأ الشاب فى الاعلان عن مهاراته وامكانياته العلمية الجديدة ... وبدأ فى علاج اهل قريته من امراض حاروا كثيرا فى علاجها، وحين استعصت على الشجرة اقتنعوا ان اسباب مرضهم هى ذنوبهم او ذنوب اجدادهم، او لانهم بخلوا فى تقديم العطايا المادية والبشرية المختلفة للكهنة.

وصل الامر لاسماع الكهان .. فحاربوا الشاب ومنعوه من الاستمرار فى عمله، وطردوه من القرية هو واهله ... واقنعوا باقى اهل القرية ان هذا السحر الاسود سيغضب الشجرة المقدسة، فهذا الفاسد المارق الكافر يغير من طبيعة الانسان الذى جبلته عليه الشجرة، ويجعله يبرأ من مرض اصابه بسبب ذنوبه، اى ان الانسان سيمارس الخطيئة بلا اى وازع او رادع، وبالتالى يموت ولا يصعد للغابة الملكوتية الخالدة التى يدخلها ويتمتع بنعيمها فقط من اتبعوا تعاليم الشجرة.

ابتعد "الكفار" عن القرية لمسافة معقولة، ثم بدأوا فى انشاء مجتمع خاص بهم ... بنوا منزلا بطريقة حديثة راها الطبيب الشاب فى المدينة ... ثم انطلق بعضهم يزرع الارض لتوفير الطعام ونثروا فيها مالديهم من بذور الشجرة، التى تحصلوا عليها من قطف ثمارها مباشرة.

البعض الآخر اتخذوا من اخاهم الاكبر نموذجا وتوجهوا ناحية المدينة، واحة العلم والمعرفة، لينهلوا منها ويعودوا مرة اخرى لقريتهم الجديدة للعمل على ازدهارها وتقدمها.

خلال اعوام قليلة كانت القرية الجديدة تنمو بسرعة مذهلة، فقد تمكن افراد البعثة العلمية من تقليل الوقت اللازم للمعرفة، بدعوة بعض العلماء من المدينة للمساهمة فى تعليمهم طرق حديثة للزراعة والبناء وكيفية الاستفادة من الموارد الطبيعية بافضل صورة ممكنة.

وفى نفس الوقت هاجر بعض اهالى القرية القديمة للقرية الجديدة ... فقد نضجت عقولهم مع زيادة سطوة كهنتهم وفشلهم فى الرد على اسئلة حياتية ملحة، فبالتالى ايقنوا بفطرتهم الإنسانية ان المنظومة بها خطأ ما، والأمر لا شأن له بمدى ارتكابهم لأى خطية، فانجذبوا بالتالى نحو العلم الذى يستطيع علاجهم والعناية بهم طوال العام، وليس فقط خلال مواسم الشتاء وطبقا لمزاج الكهنة وماتمليه عليهم شريعة عبادة الشجرة.

ثم جاء شتاء قارص عاصف به امطار رعدية شديدة ومدمرة، فقد اصاب البرق العديد من المنازل بالحريق، وتعاون اهالى القرية على اطفاءها ... ولكن مالم يدركوه كان الشجرة المقدسة، فقد اصابها البرق فاحترقت تماما ... ولم يتبق سوى جذعها. اكتشف احد الكهان ما حدث للشجرة فسارع بابلاغ باقى الكهان، وبسرعة قرروا استثمار ما حدث وتحويل مسار تلك العبادة الوليدة. فاشاعوا فى القرية ان الشجرة عادت للغابة الملكوتية المقدسة ... حتى تشملهم ببركتها طوال السنة ... ولكن البركة ستكون من خلال الكهنة مباشرة، بمضاعفة العطايا بالطبع، فالبركة الآن صارت فى الاعلى وليس على مسافة محددة ومعروفة من القرية.

وبالطبع ستظل الشعائر كما هى، ولكن بدلا من الذهاب لموقع الشجرة سيكون المعبد هو مكان الصلاة اليومية الجديدة، وليس الاسبوعية بالطبع فالوضع الآن مختلف عما مضى. وهذا بالطبع جاء رغبة من الكهنة فى فرض وصاية فكرية اكبر من الوصاية السابقة، فقوة الايحاء هى وحدها الباقية لشفاء الاطفال من المرض اللعين، بعد ان ذهبت الشجرة بثمارها الشافية.

فرح من فرح بهذه التحولات الجديدة وذهب من ذهب للقرية العلمية المجاورة، موقنا ان ما كان ينادى به اهل العلم هناك كان هو الحقيقة المطلقة. ولكن ظهر تيار ثالث مختلف فى الافكار والرؤى.

التيار الثالث قاده بعض الشباب، الذين رأوا ان سطوة الكهنة فاقت اى حد يمكن احتماله، فالايمان مكانه القلب وليس المعبد، ولا يوجد شىء يمنعهم من نهل العلم من القرية العلمية، وفى نفس الوقت الابقاء على ايمانهم بان الشجرة المقدسة ستبارك جهدهم، ولتكن شعائرها بلا كهنوتية، مجرد صلوات بسيطة اسبوعية كما كان فى ايام العبادة الاولى، تضفى الراحة النفسية وتحافظ على اواصر الارتباط المجتمعى بعقيدة واحدة.

ذهب هؤلاء الشباب للقرية العلمية طالبين التعلم فى احدى مدارسها ... واتخذوا ارضا بعيدة عن القرية القديمة وعلى الجانب الاخر من القرية العلمية وسكنوا فيها، وبسرعة تعلموا اصول الزراعة والبناء الحديثة وابدوا قدرة كبيرة فى تحصيل العلم، بعد ان انطلقت عقولهم بلا حدود مقيدة.

بعد مرور قرن من الزمان صارت الجبال تحتضن ثلاثة مجتمعات ..

مجتمع القرية القديمة، التى لم تتقدم سوى قليلا وبخطوات بطيئة، وان كان المعبد الذى يتوسطها قد صار اكثر فخامة، واخذ مساحة اكبر ليحتوى محلات اقامة زوجات الكهنة المتزايدة أعدادهن كل عام واحدة، وصار يتحدد ازواجهن بالقرعة المباركة بعد ازدياد عدد المشايخ والكهنة ... ويدير المعبد ابناء واحفاد الكهنة القدامى، الذين صارت اسمائهم تذكر خلال الصلوات اليومية المعتادة، وخلال فترات الصيام الخاصة، تلك التى تذكرهم بايام ترك الشجرة المقدسة لعالمهم.

ثانى المجتمعات هو مجتمع القرية العلمية التى صارت مدينة متقدمة كبيرة وغنية، بها جامعة ومدارس عديدة وترسل ابناءها بانتظام للممالك، وليس فقط المدن، المجاورة.

المجتمع الثالث كان المجتمع العلمى الروحانى، تحتويه مدينة لا تقل حجما او ثراءا عن المدينة العلمية، وبها العديد من المهاجرين من القرية القديمة، ممن اقتنعوا بالتوجه الروحانى الاكثر بساطة فى عبادة الشجرة المقدسة. وايضا بعض المهاجرين من القرية العلمية، الذين وجدوا راحتهم النفسية فى احياء عقيدة الشجرة مرة اخرى. وظهرت ايمانات اخرى، من وحى الطبيعة وتحليل ظواهرها المختلفة ومن واقع التفسيرات المختلفة لنشاة الكون وتأثرا بديانات واردة من ممالك مجاورة ... وكان الجميع يتعايشون فى المدينة العلمية الروحانية فى وئام وسلام بدون اى مشكلة ... حتى حدثت الحرب الشجرية المدمرة.

فى احد الأيام فى القرن الثانى الشجرى اغار البعض من القرية القديمة على مساكن المدينة العلمية التى تقع فى الاطراف النائية ... منتهكين حرمات البيوت ومستحلين الاموال والممتلكات والاعراض، متسلحين بفتوى التكفير التى اطلقها كهان ومشايخ المعبد، وفى نفس الوقت طمعا فى الثروات والخيرات التى يتمتع بها اهل تلك المدينة.

بالطبع لم تتوقف الامور عند هذا الحد، فقد كثرت الغارات على المدينة العلمية، لعدم وجود مقاومة تذكر بها، فالمدينة العلمية لم يكن لديها مقاتلون فلم يكن هناك حاجة ماسة إليهم، بينما مقاتلو القرية القديمة كانوا اكثر استعدادا وحماسا للاغارة حتى لو انتهى الامر بمقتلهم ... فهنا سينالوا فرصة الذهاب للغابة الملكوتية المقدسة والنهل من نعيمها خالدين فيها.

لكن اهل العلم لم يستسلموا، فبسرعة طوروا انواعا مختلفة من الاسلحة، ودربوا قوات مقاتلة وبسرعة تمكنوا من تكبيد المهاجمين خسائر فادحة ... فتحولت دفة القتال ناحية المدينة الاخرى، العلمية الروحانية، وبسرعة خرجت فتوى لتكفير اهلها، فهم صحيح يعبدون الشجرة ولكنهم مارقين كفروا بمذهب العبادة القويم والطريق المستقيم، لذلك تحل دماءهم وممتلكاتهم ونساءهم ... خاصة وان العذارى الحسناوات صار عددهم قليلا والكهنة بصراحة ملوا من فتيات قريتهم.

انطلقت الغارات وحدثت خسائر فى البداية فى صفوف المدينة العلمية الروحانية، ولكنهم نظموا صفوفهم وطوروا من اسلحتهم وبسرعة اوقفوا المعتدين واستطاعوا حماية انفسهم.

حاول اهل المدينة العلمية الروحانية اقناع اهالى القريةالقديمة بعدم جدوى الحرب، وانهم على استعداد لمساعدتهم لتطوير معيشتهم .. ولكن رفض الكهنة اى محاولات للتعاون المشترك، وظلوا على مسلكهم التكفيرى العصابى الاقصائى المختلق.

فى احدى السنوات حدث انفجارا كبيرا فى المدينة العلمية، فقد خرجت احدى التجارب عن السيطرة مما اودى بارواح كثيرين من اهالى المدينة ... ولكن بسرعة استعاد اهالى المدينة رباطة جأشهم وعملوا على تعويض خسارتهم، وتقدم اهل المدينة العلمية الروحانية للمساعدة حتى تستعيد المدينة العلمية عافيتها بسرعة.

لكن كانت انباء الانفجار لها وقع آخر فى القرية القديمة، فقد انطلق اهلها فرحين شامتين وسجدوا للشجرة المقدسة شاكرين ... وتنفس الكهنة الصعداء وانطلقوا يذكرون الناس بتنبؤاتهم السابقة بان الكفار مصيرهم الى زوال وذاك الانفجار بداية طريقهم الملىء بالاهوال.

كثفت عصابات القرية القديمة من غاراتها استغلالا لحالة الضعف المؤقتة للمدينة العلمية ... وكبدوا اهلها خسائر فادحة، مما اثار غضب المدينة العلمية وحكامها فانهالوا على القرية القديمة ضربا بالاسلحة الحديثة المتطورة، بصورة متواصلة وانفعالية وحشية غاضبة راغبين فى ابادتها عن بكرة ابيها، غير عابئين بصرخات اطفالها.

انبرى اهالى المدينة العلمية الروحانية محاولين ايقاف الحرب الجائرة الدائرة، ولكن باءت محاولاتهم بالفشل الذريع، فما كان منهم الا ان ارسلوا قوات محدودة لمساعدة اهالى القرية القديمة على النجاة ... هذا ادى الى تعرض تلك القوات لنيران اسلحة المدينة العلمية، وسقط الضحايا وانطلق اهالى المدينة العلمية الروحانية مطالبين بالثأر لهم ... فاندعلت الحرب الثلاثية، مدينتان تضربان فى بعضهما واحداهما تضرب فى قرية والقرية تضرب "الكفار" فى كل ناحية.

استمرت الحرب عشرة سنوات، تحولت خلالها المدينتان والقرية الى اطلال خربة تحكى عن حضارات كانت واعدة والآن صارت زائلة. وتبقى من البشر حفنة قليلة تهيم على وجهها، كل قبيلة منهم تحوم حول اطلالها، تحاول اكتساب المعيشة مما تبقى من خيرات كانت وفيرة فى اراضى ظنت انها ستبقى دوما عامرة.

اصاب الوبأ اهالى الاطلال الثلاثة الباقية ... ومات من مات منهم لعدم وجود ايد واعية ومتعلمة للمساعدة ... وفى محاولة يائسة، توجهت امراة بطفلها المريض بعيدا عن اطلالها.

مشت الأم لمدة ساعتين حتى انهارت قدماها من التعب وخارت قواها من فرط الحرارة المنخفضة، فقررت ان تستريح قليلا مرتكنة الى الشجرة الوحيدة التى لاقتها فى طريقها. كانت شجرة وارفة مزدهرة، اوراقها صفراء وبيضاء وتحمل اغصانها ثمارا .. اول مرة تراها فى حياتها.

طلب طفلها ان يشرب، التفتت الم حولها يائسة ثم نظرت إلى أعلى فرأت ثمار الشجرة، فقطفت بعضها وبالفعل شرب و ارتوى طفلها ... بل اكثر من ذلك ...

انتعش من طعم تلك الثمار وطالب بالمزيد ... والمزيد ... والمزيد ...

من تلك الشجرة المباركة.

فادى رمزى