#فادى_رمزى يكتب: دين الشجرة (1) - البداية

كتب بواسطة: فادى رمزى في . القسم ادب

 

منذ قرون عديدة كانت هناك قرية صغيرة تقع فى منطقة نائية بعيدة، أغلب اهلها يعملون بالرعى والزراعة، حرفتان توفران احتياجاتهم الاساسية بالاضافة الى بعض المتاجر والورش التى تتكفل بالاحتياجات البسيطة الأخرى. ثقافة أهل القرية كانت محدودة، وتعليمهم بسيط واغلبهم يفكون الخط بالعافية ... وكانت شئون القرية تدار بواسطة مجلس من كبار القرية، يحتكمون اليهم عند الضرورة وينصاعون لاوامرهم واحكامهم بدون مناقشة. 

كل عام، وفى شهور الشتاء بالتحديد، كان يصيب أغلب أطفال القرية مرضاً عجيباً، فشلت معلوماتهم الطبية الشبه معدومة فى ايجاد تفسير له، فالطفل يصاب بارتفاع شديد فى درجة الحرارة وقىء مستمر ... وخلال اسبوع من الإصابة بالمرض، اما ان يشفى بفضل بعض الاسعافات الاولية البسيطة المتاحة، او يموت لعدم تحمله تداعيات ذلك المرض اللعين.

ظل الحال هكذا لسنوات وعقود طويلة، حتى اصبح الأمر معتادا ويمثل "فلكلورا" سنويا مأساويا فى القرية ... حيث ترتفع الرايات الملونة فوق سطح كل منازلها تبعا لحالة أطفالها، الراية الصفراء تعنى وجود اصابة وخلال اسبوع إما ان تتحول الى اللون الأسود فى حالة حدوث الوفاة او الى اللون الأبيض فى حالة النجاة.

حتى اتى احد الأعوام واصاب الوباء القرية كالمعتاد ... ولكن هذه المرة قررت ام شابة متمردة الا تستسلم، وأن تسعى بكامل قواها لمحاولة انقاذ طفلها، وذلك بانتهاج اساليب مختلفة لمكافحة ذلك المرض اللعين ... قررت الأم ان تأخذ طفلها، ذو الأربعة أعوام، بعيدا عن القرية، فى اى اتجاه يبعده عن اجواء الوباء، وبالفعل حملته وهو يتأوه من الحمى ومن آلام المعدة، ووضعته بداخل سلة كبيرة من الصوف وغطته جيدا. ثم انطلقت ناحية احد الجبال القريبة من القرية.

مشت الأم لمدة ساعتين حتى انهارت قدماها من التعب وخارت قواها من فرط الحرارة المنخفضة، فقررت ان تستريح قليلا مرتكنة الى الشجرة الوحيدة التى لاقتها فى طريقها. كانت شجرة وارفة مزدهرة، اوراقها صفراء وبيضاء وتحمل اغصانها ثمارا اول مرة تراها فى حياتها.

طلب طفلها ان يشرب وهنا اكتشفت الأم ان زجاجة المياه التى اعدتها لتلك الرحلة قد سقطت منها دون ان تدرى خلال سيرها، التفتت حولها يائسة باحثة عن اى مصدر للمياة، ثم نظرت إلى أعلى فرأت ثمار الشجرة، فقررت ان تتسلق وتقطف بعضها، لربما يرتوى طفلها من عصيرها. وبالفعل ارتوى طفلها ... بل اكثر من ذلك ... انتعش من طعم تلك الثمار وطالب بالمزيد.

فرحت الأم بتلك الحيوية المفاجئة التى مست طفلها، فتسلقت وجمعت الكثير من الثمار، وجعلته يعتصرها ويلتهمها كلها. ثم اخرجت بعض الأغطية واحتضنت طفلها ونامت من فرط تعبها.

استيقظت على شمس اليوم التالى ولم تجد طفلها فى حضنها، التفتت حولها مذعورة ملتاعة، حتى راته يلهو على الجانب الآخر من الشجرة. صرخت الأم من الفرحة، فوليدها لم يكن يستطيع القيام من ضراوة المرض بالأمس القريب، فماذا حدث له ؟ هل شفى تماما من المرض؟ هل ستسعد برفع الراية البيضاء على منزلها ؟

نظرت الى الشجرة وكانها تستفسر منها، رات بعض ثمارها على الأرض فانطلقت تقبلها وتشكرها وتتحسس الشجرة حامدة ومسبحة بفضلها ... ثم جمعت ما تستطيع جمعه من ثمار وانطلقت مع طفلها بسرعة نحو القرية ... وصلتها باسرع مما تركتها، واندفعت تعدو فى شوارعها تصرخ على جيرانها: ابنى شفى من المرض اللعين، لقد شفته الشجرة ... لقد شفته الشجرة.

ظن الجيران اولا انها قد جنت من فرط قلقها على ابنها، ولكنهم راوا الطفل بصحة افضل بكثير من البارحة، فنشاطه ملحوظ بكل تأكيد واستعاد الكثير من حيويته ... اندفعوا يسالونها فاعطتهم الثمار واشارت لهم بمكان الشجرة ... وبسرعة وصل الخبر لكبار القرية، فبسرعة جمعوا كل الامهات وقرروا الذهاب لتلك الشجرة العجيبة ذات القدرات السحرية المدهشة.

هناك جمعوا كل الثمار تقريبا واطعموها لاولادهم وعادوا الى منازلهم، وفى اليوم التالى استعادت القرية ضحكات اطفالها، وفى الايام التالية عادت شقاوتهم تزعج الجميع، ولكن هذه المرة كانت شقاوة محببة ومطلوبة وطال اشتياقهم كثيرا لها.

فى هذا العام لم ترتفع اى راية سوداء، ارتفعت البيضاء فوق كل منازل القرية، حتى تلك التى لا يوجد بها اطفال، وذلك على سبيل المشاركة فى الفرحة. ولكن ارتفعت مع الرايات ايضا تساؤلات عديدة، خرجت من القلوب الى العقول مرورا بالالسنة: "ما الذى جدث يا ترى؟ وكيف شفى اطفالنا؟.

كانت الأسئلة بالطبع توجه لكبار القرية، الذين لم يجدوا سوى إجابة واحدة يشبعوا بها فضول الأهالى، وفى نفس الوقت تحافظ على وضعهم ككبار للقرية، من المفترض ان يكون لديهم الاجابات على كافة الأسئلة:

"هى شجرة مباركة .. هى التى تعطينا الحياة ... نزلت من السماء لرعايتنا ... لاننا هذا العام كنا نستحق تلك الرعاية ... فى الاعوام السابقة كنا هائمين بلا ايمان حقيقى باى شىء ... والآن يا اهل القرية ... اليكم الهتنا التى تجسدت من اجلنا ...انها الشجرة المباركة"

حاز هذا التفسير على المركز الأول بجدارة فى سباق البحث عن اجوبة، وانطلقوا جميعا مبتهلين مهللين نجو الشجرة، يرتدون كلهم الزى الأبيض ويحملون سلالا صوفية مثلما كانت تحمل تلك الأم المتمردة ... هكذا قال لهم كبار القرية "كهنة الشجرة" ... نعم، بسرعة نصبوا انفسهم كهنة وسطاء بين الشجرة والناس، يعلمونهم الطرق الصحيحة لعبادتها.

فى السنوات التالية تغير الفلكلور الأسود الحزين الى فلكلور آخر أكثر بهجة وبياضا ... ففى كل عام ومع أول ايام الشتاء يتوجه اهل القرية حاملين اطفالهم إلى الشجرة، قبل ان يصبحوا مرضى، مرتدين الثياب البيضاء، بدون السلال هذه المرة طبقا لشعائر الشجرة، فالسلال تاتى بعد ذلك فى الزيارة التالية، حتى يجد الصناع الوقت الكافى لصناعتها طبقا لعدد المرضى، ويردد الجميع خلف الكهان صلوات الشجرة.

بعدها بايام ياتى المرض الذى كان لعينا، فتتوجه ام كل طفل للكهان، مقدمه العطايا الخاصة التى تجعلهم يسمحون لها بالذهاب الى الشجرة، بعد إبتياع السلال الصوفية منهم طبعا، كى يتناول طفلها احدى ثمارها.

والثمار يجب ان يقطفها بالطبع، كما نصت شرائع الشجرة المقدسة، فتاة عذراء يختارها الكهان بانفسهم كل سنة، بعدها يتزوجها احد الكهان، فهى لا يجب ان تختلط بباقى الاتباع، بعد ان نالت شرف تلك المهمة المقدسة ... وتصير فتاة مكرسة للمعبد تقوم على خدمته طوال عمرها.

نعم .. صار هناك معبدا للشجرة .. يمارس فيه الكهان طقوسهم اليومية فى المواسم المختلفة ... فالشجرة المقدسة تكون غير مثمرة خلال تلك المواسم، فهل يصبح الكهان بلا عمل سوى خلال فصل الشتاء فقط ... لا بالطبع وحق الالهة .. وحق الشجرة المقدسة كان لابد من اقامة معبداً لها.

المعبد كان يزوره الاهالى كلهم فى يوم محدد اسبوعيا ... وقبل مواسم الزراعة المختلفة وقبل ايام الحصاد وفى حالات المرض ... حتى يبارك احد الكهان المحاصيل ويتحصلون على نسبة منها على سبيل البركة، وكى يصلوا لشفاء المريض من القطعان الآدمية او الحيوانية التى تدين بالولاء للشجرة المقدسة ... حيث يمررون الورقة المقدسة، التى يحملها كل كاهن معه بصفة دائمة، على جبهة المريض، فيشفى بإذن الشجرة.

وبالطبع من لا يشفى فهو خاطىء ... لا يستحق البركة ... هكذا جاء فى الشريعة الشجرية المقدسة.

وغدا نستكمل تلك التجربة الإنسانية ... الملحمية

فادى رمزى