حلم آخر العمر

كتب بواسطة: مارك كاسترو في . القسم ادب

 

إستقامت قدمىَّ بعد تعثُّر امام رَدْهة من الماء البارد الذى وجد مُستقره فوق تجمعاتٍ من الطين الأملس ، تلك التى تكونت بفعل الليالى الممطرة التى خلّفتها آخر انّات الشتاء الحزينة.

 

كنتُ قد امسكتُ باحد اطراف السلم الرخامى الذى تراكمت على حوافه بضع كريات من الثلوج .. كانت كفيلة فى مراتٍ سابقة لأن تجوب برأسى الأربع جهات قبل ان تلقي بى جثةً منهكة على سطحها الحجرى . يباغتنى هذا الانزلاق كلما تناسيت انى كهلٌ فى عقده السابع ، عليه ان يتشبث بما بقى له من القوة بهذا السلم المكسو بالجليد ، حتى يتحاشى اى رجفةٍ مفاجئة تصدر من جسده النحيل و متفادياً لأى احتكاكٍ و لو بسيط مع عظامه الهشة و نظارته التى تكاد تنقل له صورةً مبهمة بفعل الأمطار .. فمادامت روحى لاتزالُ عالقةً بهذا البدن علىّ اذاً ان اتعايش مع مقدار الطاقة المتبقية لى.

 

حتى اذا ما جاءت اللحظة التى طالما انتظرتها و التى سترفض فيها رئتىّ استقبال مزيداً من دفقات الاكسجين القادمة اليها ، حينها فقط سأستطيع الطيران بعيداً ، خارج تلك الضلوع التى كتمتْ بينها احلام فؤادى .. ستتهاوى روحى محلقةً الى كل تلك الأمكنة التى رفضت ساقاى ان تصطحبانى اليها ، الى كل تلك البلدان التى عرفتها او لم اعرف ، الى قلب تلك الكتب التى عاصرت مؤلفيها او لم افعل ، الى اى سماءٍ و اى أرضٍ سأختارها ...

220913 article2 photo

 

ان الموت سيرد الينا ما سلبته الحياةُ من عمرنا ...

 

اطرقتُ ببصرى الى البحر العاصف فاذا بانعكاس الشمس قد تلاشى من على صفحة الماء ، لتملأ مياه الغمام الشاطىءَ الفسيح حتى يميلُ المشهد كله الى الزرقة الداكنة . فاضت السحب بمائها الغزير مخفيةٌ بثورتها اى اثرٍ لآشعة الشمس . كل هذا و انا اكاد اتلمس السلم الرخامى الذى يفصلنى لبضعة امتارٍ عن مياه المدّ ، محاولاً بكل ما فىّ من شهيقٍ و زفير ان اشبع شهوتى فى ان اشتم رائحة الجليد دون ان تتضرر فروة رأسى المجعدة بطلقات الأمطار الثقيلة و المتلاحقة.

 

و بقدر ما يتجلى مشهدٌ من الاضطراب المناخى يعصف بأجسادنا الا انه فى كثيرٍ من الاحيان ما يعد اكثر ثباتاً مما يدور بداخلنا ، فالألم لا يخطىء فى انتقاء القلوب البائسة ! فماذا عساه ان يخبىء لعجوزٍ فى سنى و قد صفعنى مرات و مرات طيلة سنى حياتى ..

 

ابعدتُ النظارة عن وجهى فى محاولة فاشلة لتجفيف قطرات الماء التى تحجب عنى الرؤية ..

 

كان لى أن اختبر الألم فى كل فترةٍ عشتها ، اصطدمت به فى الطفولة و أيام الصبا حينما رأيت الحربَ تجتاح الأراضى التى لم تخطىء عينىّ فى تمييز لونها الأخضر ، لتحولها الى أكوامٍ من الحطب اليابس .. و مع أن الحرب قد إنجلت بعد ذلك بفترة بسيطة إلا ان ظلالها لم تزل تطارنا حتى آخر العمر . اصبحنا نخاف الحرب .. ليس حباً فى الحياةِ بقدر ما هى تجنباً مزيدٍ من الذل ...

 

انطلقت موجةٌ اخرى من البرق قبل ان تخف الأمطار تدريجياً .. فُرصةٌ اخرى لأن أرى الأفق البعيد بعد تلاشى حدة الشبورة . اجواء من الحذر تحيق بالشاطىء جعلتنى اسير بضع خطواتٍ ، تدهس اطرافى السُفلى مستنقعات الطين التى تكونت ..

 

هدأت حِدة الحرب مع تعاقب فترة من الطاقة النابضة و السعى لبناء اوطانِ ما بعد الإستعمار ، و لكن سرعان ما اكتشفنا ان تلك الأنظمة التى حكمتنا كانت اكثر بطشاً بنا من المحتلّين الأجانب لتزيدنا خنوعاً و قهراً و استبداداً ... ترك الألم بصمته فى كل فترة من حياتى ، كان مارداً ينسج شباكه حتى فى ازهى لحظات الشبق . حتى الذين هجروا الحياةَ على ارضنا ، كم من وعودٍ بالعودةِ اعطونا ، سرعان ما تبخرت كلها لتجعل من التلاقى امراً شبه مستحيلٍ ..

 

كانت لى اهداف كثيرة فى أيام شبابى ، تناثرت جميعها اثناء الترحال ، لم يبق منها سوى ذكريات تراود رجل سبعينى يجلس متأملاً البحر . احساسٌ عميق بالخيبة يسيطر على اوصالى ، إحساسٌ بأنى لم احقق و لم انجز شيئا فى أيامى ...

 

ذكرياتٌ كثيرة تلوح فى الأفق خاصةً مع بروز اولى لمحات الصباح الجميل .. كفٌّ صغيرٌ حانى ينسدل على خدى ، ليعيد لى إحساسى بالزمان و المكان ، حتى اكتشف ان ليلةً كاملة قضيتها على الشاطىء المضطرب و ان جسدى بكل ما به من أسقام قد استطاع تحمل العاصفة الهوجاء التى سيطرت على المكان حتى طلوع الفجر . كان السر فى هذه الإستفاقة هى حفيدتى التى جاءت تحبو الى حيث آويت انا على الرمال . قامت بشد قميصى بكلتا يديها و كأنها تستجدينى للدخول بعيداً عن آثار العاصفة ..

 

و ها انا استجيب لها ..

 

قُمت و أنا مغمض العينين تاركاً الدفة بكاملها تحت تسلط حفيدتى ذات الثلاث سنوات .. اسلمتُ لها يدىّ فى استسلام تام لتلك الارادة الطفولية البريئة . فإذا كنت قد فشلتُ فى قيادة حياتى فيما سبق ، فعلىّ الآن ان اتركها فى يد من هى اكفأ ..

 

نظرتُ الى وجهها البيضاوى الهادىء و اردفت : " يا لينا .. لولا فارق العمر الشاسع بيننا لاصطحبتكِ فى رحلتى الأبدية "

 

مارك كاسترو