فتحنا الحنفية مالقيناش مية - يوميات شلاتينية (3)

كتب بواسطة: فيفيان - فادى في . القسم اخبار المجتمع المدنى

 

  

لقراءة الحلقة الثاتية اضغط هنا

 

 

"انا مش بحب الدهب بس اختى بتحبه" ... عبارة قد تكون معتادة لو سمعناها فى اى منطقة مصرية اخرى، لا تعانى من الاهمال والافقار "الشلاتينى" الذى رايناه هناك، فما معنى ان تقول بنت صغيرة تعيش فى بيئة تعانى بشدة من ندرة الخدمات الاساسية من تعليم وصحة ومياة شرب نظيفة وصرف صحى وغيرها، وفرص العمل بها محدودة والتنمية شبه معدومة، تلك العبارة الخارجة من اى سياق يمكن توقعه فى تلك المنطقة.

كانت الطفلة فى انتظار دورها الذى يبدو لها وكانه لن ياتى ابدا، فطابور "الاشتياق" لدخول عيادة طبية تنعم بوجود طبيب صالح لممارسة المهنة، ويمكنه ان يتيح العلاج المطلوب لمرض بسيط بمنتهى السهولة، يبدو طويلا طول الدهر ... وهو تحدى نواجهه دوما خلال عملنا فى تنظيم القوافل الطبية فى تلك المناطق المنكوبة بتجاهل السلطات المصرية لها لعقود طويلة لها.

خلال انتظارها اعربت عن رايها فى الذهب ... وبالطبع جاء بعد عباراتها التساؤل المشبع بالفضول، والذى يكاد ان يصرخ قائلا: "دهب !!! وانتى ايش عرفك بالدهب اصلا .. وكمان مش بتحبيه !!!!". وجاءت الاجابة التى كشفت عن حنفية خير ضخمة تتميز بها شلاتين، ولكن كالعادة يتم اعطابها وتعطيلها فلا ينزل منها اى خير ابداً ... فلقد كتبت النظم المتتالية على تلك المنطقة ان تعانى ولا تنمو البتة، ومن ذا يستطيع ان يعارض المشيئة السلطوية !!

يوجد حول شلاتين مناجم وجبال دهب ... غير منجم السكرى الشهير والذى يقع شمال شلاتين عند مرسى علم، التى تبعد حوالى 3 ساعات من شلاتين ... وبعض اهالى شلاتين يعملون فى استخراج هذا الذهب بطرق بدائية، وينجحون فى ذلك وهو ما يدل على ان الخير طافح وبينادى من ينبشه وينعم به ... وبالطبع يحتاج الذهب الى التنقية والغربلة وعمليات أخرى تحتاج لتكنولوجيا حديثة لتحويله الى سبائك صالحة للبيع والمقايضة، وهو بالطبع امر غير متوافر عند اهالى شلاتين البتة.

لكن الاهالى منذ سنوات، كما سمعنا من العديد من المقيمين فى المنطقة والعاملين بها، يطالبون النظم المختلفة ان تستعين الحكومة بهم فى استخراج الذهب وشراء المستخرج منه عن طريقهم، وبعدها يتم اخضاعه للمراحل الصناعية المختلفة، ويمكن طبعا تطوير اساليب الاستخراج وتنمية المهارات وبهذا تتحقق الفائدة للجميع .... شعبا وحكومة ودولة ... لكن قوبلت الطلبات بالرفض طبعا، وبالتالى تحولت المهنة الى مهنة غير رسمية ... وتولت السيدات فى شلاتين عملية الغربلة والتنقية ... واجرها فى ذلك "تراب الذهب" الذى تاخذه وتصنع منه حلى بسيطة بطرق ابسط، ولا تستطيع بيع اى منها طبعا .... فهو ذهب شلاتين مصرى اصلى ولكنه ليس من حق اى مصرى.

نستعيد تركيزنا بعد خطاب "الذهب" هذا لنواجه طوفان البشر الغاضب الساخط من قهر الزمان وظلم الإنسان، نحاول تنظيمه وتطبيق معايير العدالة والجودة بمنتهى التصميم والحرفية التى اكتسبناها من قوافلنا المتعددة ... لنفاجأ برجل متوسط السن لا يطيق الانتظار ويصرخ فينا قائلا "اطلعوا بره ... مش عايزينكم هنا ... انتم مش عارفين تشتغلوا ومبهدلينا" ... طبعا كان وقع كلماته قاسيا وفى نفس الوقت صادقا ... وبالتالى توقفنا لثوان لنقرر مصيرنا، فنحن لن نفرض نفسنا على اى مجتمع ابدا ... وكون الخدمة المقدمة مجانية فهذا لا يعنى ابدا ان الناس تتبهدل حتى تنالها .... هذا ضد مبدأ قوافل العيادة تماما، فنحن نعيد الحقوق لاصحابها، الحقوق التى سلبت منهم، وهذا واجب علينا وليس فضلا منا ... والحق يجب ان يقدم بمنتهى الامانة وباحترام صاحب الحق وعدم تعريضه لأى مهانة.

رد الفعل المطلوب لم يات منا، بل من الطوابير المنتظرة، فقد لاموا الرجل بشدة على كلامه بل ورددوا بتلقائية ما كنا نردده دوما على أسماع كل من يريد تخطى الدخول فى غير دوره ... فقد قالوا للرجل: "مفيش حد هنا احسن من حد، كله هيدخل بدوره، الدنيا زحمة ونستحمل لان مفيش اى دكاترة عندنا طول السنة ... مش ذنبهم واهم شغالين وبيعملوا اللى يقدروا عليه".

اعتذر الجمع المنتظر لنا ومن جانبنا حاولنا امتصاص غضب الرجل والاعتذار له وتوضيح صعوبة موقفنا، ولكنه خرج رافضا الاستعانة بخدماتنا ... عدنا للعمل مرة أخرى محاولين تحقيق المعادلة الصعبة وتقدم الرعاية الصحية طبقا للمعايير العالمية بمنتهى السرعة ولاكبر عدد ممكن فى اقل وقت ممكن.

فى اليوم الثانى وحدنا الرجل الغاضب فى انتظارنا عند بوابة المستشفى الخارجية، وما ان نزلنا من الاوتوبيس حتى توجه لنا بالاعتذار عما بدر منه ... وبصوت ملىء بالشجن قال: "حجكم عليا ... ربنا ما يوريكم شر المرض .. التعب هدنى خلانى مش فى وعيى ... اسف ... انتم مش ذنبكم بس احنا مدفونين بالحيا ولو متنا ماحدش هيحس بينا."

كلمات ليست كالكلمات ... بل هى طعنات فى قلوب كل مسئول فاسد وخائن ومهمل فى تقديم الرعاية الصحية ... بل الحق فى الرعاية الصحية اللائقة ... لكل شبر من ربوع ارضنا.

كلمات تمثل اوجاع مجتمع يصرخ من اجل تخفيف آلامه ... وهو ابسط حقوقه الإنسانية ... ووصل بصراخه لان يتساوى الموت مع الحياة بالنسبة له ... فهو كم مهمل فى نظر سلطات بلده وفى نظر العديد من اهالى المحروسة الموكوسة، فكل منا مهموم بمشاكله ومحاولة التغلب على التحديات التى تواجهه فى حياته ... تحديات اغلبها تخطته الحضارة الانسانية الحديثة بعقود طويلة، ولكنها مازالت تنغص علينا حياتنا ومازال العلم والارادة الصادقة للتغيير غائبان عن صناع القرار "الصحى" فى بلدنا.

الى هنا انتهت يوميات "العيادة" حول القافلة الطبية الثانية لمدينة شلاتين الجميلة ... وسنعاود الذهاب مرة اخرى بنهاية الشهر القادم، فمحاولاتنا لم تنته بعد فى فتح حنفية الرعاية الصحية المستدامة هناك.

خالص الشكر والتقدير لكل المتطوعين، الاطباء والمنظمين، الذين تحملوا الكثير من الجهد والعمل فى ظروف قاسية واستطاعوا تحويل مبنى المستشفى ومدرسة التمريض الى مستشفى حقيقى وفعال خلال فترة عملنا هناك ... واخيرا وليس اخرا نشكر الجمعيات الاهلية التى ساعدتنا فى الدعاية والتنظيم، مؤسسة مهنة ومستقبل للتنمية والتدريب وجمعية تنمية محميات البحر الأحمر، وايضا اجدع شباب من شلاتين: محمد اليمانى وماهر اللذان سهلا لنا امورا عديدة وجعلوا اقامتنا هناك اكثر راحة، وكل اهالى شلاتين الذين شرفونا بالحضور والتواصل وتبادلنا معهم الابتسامات الصافية الرائقة، خلال محاولتا تخفيف الاهات عن الابدان المتألمة.

شكرا شلاتين ... لك الله وكل من يحبك ويتمنى الخير لك.

 ڤيڤيان ظريف – فادى رمزى

مبادرة العيادة
أسسها سارة سمير وهارفى جورج وڤيڤيان ظريف وفادى رمزى

  • 3_1
  • 3_10
  • 3_11
  • 3_12
  • 3_13
  • 3_14
  • 3_15
  • 3_16
  • 3_17
  • 3_18
  • 3_19
  • 3_2
  • 3_20
  • 3_21
  • 3_22
  • 3_23
  • 3_24
  • 3_25
  • 3_26
  • 3_27
  • 3_28
  • 3_29
  • 3_3
  • 3_30
  • 3_31
  • 3_32
  • 3_33
  • 3_34
  • 3_35
  • 3_36
  • 3_37
  • 3_38
  • 3_39
  • 3_4
  • 3_40
  • 3_41
  • 3_42
  • 3_43
  • 3_44
  • 3_45
  • 3_46
  • 3_47
  • 3_48
  • 3_49
  • 3_5
  • 3_50
  • 3_51
  • 3_52
  • 3_53
  • 3_54
  • 3_55
  • 3_56
  • 3_57
  • 3_58
  • 3_59
  • 3_6
  • 3_60
  • 3_7
  • 3_8
  • 3_9

Simple Image Gallery Extended