فتحنا الحنفية مالقيناش مية - يوميات شلاتينية (1)

كتب بواسطة: فيفيان - فادى في . القسم اخبار المجتمع المدنى

 

"مفيش مية" ... رسالة تلقاها جروب واتس آب القافلة الطبية فى صباح اول يوم عمل لهم فى شلاتين. وبسرعة تحرك الجميع واحضروا جراكل المياة من الاوتوبيس المرافق للقافلة، فقد كانوا متوقعين حدوث ذلك بعد قافلتهم "الأستكشافية" السابقة للمنطقة.

حركة الجميع فى ملء الزجاجات الصغيرة من الجراكل الكبيرة ووضعها عند ابواب كل الغرف، كان اول مؤشر لكم "الحنفيات" العديدة التى ستفتحها القافلة خلال ايام عملها ولا تجد بها "المياة" المتوقعة .. فشلاتين تمتلك الكثير من الحنفيات التى يمكنها ان تصب كل الخير ولكنها للاسف مهملة ومهمشة ومنسية ولا يتم استغلالها بالشكل الذى يليق بخيراتها.

دخلنا ما يطلق عليه "مستشفى شلاتين العام" معززين بالمعدات والاجهزة والادوية اللازمة ... مدركين من واقع الخبرة المسبقة بالعمل فى المناطق المهمشة والنائية مثل سيوة وسانت كاترين ... ومن معرفتنا بواقع الرعاية الصحية المؤسف والمخجل فى مصرنا .. ان المستشفى لا يتعدى كونه مبنى وبعض الاسرة ولا توجد به اى حد ادنى من العناصر التى تسمح بأن يطلق عليه لقب "مستشفى" ... وهذا طبعا ليس لقة الامكانيات فالاموال دوما موجودة ولكن قوى الفساد والفشل الادارى تظل هى المتحكمة دوما فى الرعاية الصحية فى اغلب المناطق ببلدنا.

عدد الأطباء المتواجدين فى المستشفى قلة وغير مهيئين للعمل ويعانون من الندرة الشديدة فى المعدات المطلوبة، والمستشفى الذى كان مقاما حتى 2012 تم هدمه ويتم بناء مستشفى اخر يتكلف اكثر من مائة مليون جنية كما سمعنا، ولكن لا زال لم يفتتح بعد ... وكما راينا من قبل فى سيوة وسانت كاترين والنوبة وغيرها يتم دوما صرف الملايين وعدم توفير الرعاية بعد كل ذلك لاهدار العامل البشرى والتنظيمى وغياب فكرة التنمية الشاملة والرعاية المستدامة تماما.

انقسمنا طبقا للخطة الموضوعة الى فريقين، الفريق الأول فى مبنى المستشفى نفسه، والذى لا يتعدى دور واحد به 5 او 6 غرف ضيقة ولا مكان يصلح لانتظار المرضى، وانطلق فيه سارة وشريف وفارس ورغدة وفيفيان مع الأطباء رضوى وأحمد وآمال وذلك لاقامة عيادات الجلدية والانف والاذن والحنجرة مع الصيدلية الملحقة بالقافلة واعداد مكان للاستقبال وتنظيم الدخول وانتظار المرضى ... كل ذلك فى خلال ساعة على الأكثر.

والفريق الثانى توجه الى مبنى مدرسة التمريض على بعد حوالى 400 متر من المبنى الأول، وفيه ريم ومصطفى و وعد وسلمى ومونيكا وفادى مع الأطباء سوسن وعمرو ومصطفى وكريم ومحمد، وذلك لاعداده فى وقت قياسى (ساعة ايضا طبقا للتنظيم الموضوع) ليتحول لعيادات اسنان كاملة وايضا امراض باطنية وكبد وجهاز هضمى ومعمل مجهز لاخذ وتحليل العينات المختلفة من عينة ممثلة من المرضى فى محاولة لاكتشاف الامراض المستوطنة لتقديم افضل رعاية صحية ممكنة فى القوافل القادمة ... كل ذلك فى غرفتين وصالة مع خلق تجهيزات الأستقبال والانتظار للمرضى فى مساحة مستحيل ان تتسع لكل هذا.

كنا نغزل برجل فيل ... او ديناصور ... وليست ابدا رجل حمار ... ونتغلب على فقر المرافق المتاحة وعدم صلاحيتها (على سبيل المثال لا توجد مياة فى المستشفى ولكم ان تتخيلوا شكل ورائحة حماماتها) وذلك بما لدينا من اجهزة واعتمادا على تصميمنا كمتطوعين (اطباء وصيادلة ومتطوعين تنظيميين) على اعطاء اهالى شلاتين الرعاية الصحية اللازمة وتعريفهم بماهية الطب والعلاج، وكيف تطور العلم وخدمات الرعاية الصحية بعيدا عن واقعهم البدائى الذى يتحمل تدنى وبذاءة مستواه كافة المسئولين عن الرعاية الصحية فى مصر طوال العقود السابقة وحتى يومنا.

بدأنا استقبال المرضى متأخرين نصف ساعة عن موعدنا ... وذلك لاننا بذلنا الكثير من الجهد فى تنظيم الحشود القادمة المشتاقة للرعاية الصحية والتى تندرج معظم حالتها الصحية تحت بند الطوارىء وبالتالى يجب ان يدخل بسرعة وله الأولوية ... تخيلوا معى ام معها طفل يبكى بسبب حرارته العالية والظاهرة فى الأحمرار الشديد فى وجهه، ورجل كبير محمول من فرط اعياءه، وبنت تصرخ وهى تحتضن امها من فرط الامها، وسيدة انهار تصديها لآلام ضروسها التى تعانى منها منذ سنوات عديدة، وذلك ما ان رأت ان بينها وبين عيادة الأسنان خطوات قليلة.

تعالت صرخات الآلام تواجهها صرخات المنظمين فى محاولة لتطبيق معايير العدل فلا يأخذ احد منهم دور الأخر، والعدالة فى تقديم الخدمات المقدمة بحيث يستفاد منها الجميع بدون تمييز وتصل للمستحقين فعلا وليس للمستغلين فقط ... تصادمنا مع الحشود الجائعة ونجن نتفهم جيدا أسباب تدافعها وتسابقها، فاى منطق يهدف للتنظيم ينهار أمام ضغط الحاجة والآلام المبرحة ... ولكننا نجحنا فى التنظيم وعمل طابور للمتقدمين ... مدعومين بالحزم الشديد من جانبنا والتفهم التدريجى الذى بدأ ينتشر وسط الحشود وهى ترى التصميم على تطبيق النظام وايضا ردود افعال من يخرج من العيادات بعد ان رأى بنفسه ان اسلوب عملنا يختلف عن باقى قوافل "المسكنات" و"السبوبات" والتى تهتم بالكم وليس الكيف وبالشو الإعلامى والعائد المادى.

مأساة كاملة تعيشها شلاتين ... لا يستطيع احد تخيلها ... كم رهيب من القهر والتهميش والفساد تعانى منه المنطقة منذ التسعينات ... منطقة بها كل الخير والجمال ولكنها خارج نطاق اى مكان او زمان، ولا يوجد رقيب ولا حسيب عليها ... وحين جاءنا مندوب احد الجهات الأمنية ليسال عما اذا كانت قد واجهتنا اى مشاكل او تحديات قلنا له "نعم .. طبعا" وبدأنا فى سرد سوء حال المستشفى واذ به يقاطعنا "لا لا .. انا اقصد من الناحية الأمنية" ... عندها عرفنا ان الأمن مفهومه مختلف عندنا، فما نراه من تهميش وظلم لاهالى منطقة حدودية مثل شلاتين يهدد الأمن القومى، لا يعتبر "أمنا" من وجهة نظر الجهات الأمنية المتواجدة بكثافة فى المنطقة.

وحتى مستشفى الجيش هناك يعانى، كما سمعنا من ضباط جيش فدموا الى مقر عمل القافلة ... حيث قالوا ان عيادة الأسنان هناك تعانى من عطل بجهاز تعقيم الأدوات مما قد يتسبب فى نشر الأمراض.

بدأنا عملنا وفتحنا حنفية الرعاية الصحية فى المنطقة ونحن نعلم ان صوت حشرجة الموت الأكلينيكى ستاتى منها، ولكننا استمررنا فى اداء دورنا ... عددنا عشرين متطوع (أطباء ومساعدين من طلبة طب وصيدلة ومن خبرات مهنية مختلفة) و مدعومين بشباب من شلاتين مثل محمد وماهر لم نر فى مثل جدعنتهم ابدا ... ومعهم اعضاء جمعيات اهلية عاملة فى المنطقة يمثلهم أحمد وروفيدة ... وهو ما سيظهر فى اليوميات القادمة.

ڤيڤيان ظريف – فادى رمزى

مبادرة العيادة
أسسها سارة سمير وهارفى جورج وڤيڤيان ظريف وفادى رمزى

  • 10
  • 11
  • 12
  • 2
  • 3
  • 5
  • 7
  • 8
  • 9

Simple Image Gallery Extended